كثيرة هي الدراسات والأبحاث التي نُشرت عربياً وعالمياً، عن السبب الذي يقف وراء ما أُطلق عليه «الانحطاط الثقافي العربي الإسلامي» بعد فترة الازدهار الذهبي، التي كان مركزها بغداد في الفترة العباسية، وتحمّل «هولاكو» المغولي، مسؤولية انحطاط العلم والحضارة والمعرفة بعد تدميره بغداد في عام 1258م، وتتحدث عن تحوّل لون مياه نهر دجلة إلى سوداء بسبب حبر المخطوطات التي رماها هذا الشخص الكريه في مياه النهر.. وترى هذه الدراسات التي علمونا إياها في المدارس والجامعات، أن الأحداث التي تلت سقوط بغداد كانت مجموعة من الانكسارات والحروب الفاجعة، والغزوات المستمرة، والانقسامات المتلاحقة، والمطامع الخارجية التي لم تتوقف، وقد تكون هذه الآراء والكتابات في كثير من جوانبها حقيقة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، ولكن بكل أسف فاتها النظر إلى الحياة الثقافية والفنية والحضارية، واعتمدت بشكل كبير على غزو المغول لبغداد لتبرير «نظرية الانحطاط»..
الدكتور جورج صليبي، أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة كولومبيا، أصدر مؤخراً كتاباً حمل عنوان «الحضارة الإسلامية والنهضة الأوربية» عارض فيه تلك الآراء والنظريات والدراسات، فقال: «صحيح أن هولاكو دمّر بغداد فعلاً، ولكن وزيره، عالم الفلك نصر الدين الطوسي (توفي عام 1274م) دفعته حكمته إلى إنقاذ نحو 400 ألف مخطوطة، قبل نهب بغداد، كما أنه أنقذ شاباً يدعى ابن الفوطي وأخذه إلى ما بات يعرف بحصن الإلخانيين قرب تبريز، حيث أقنع الطوسي نجل مدّمر بغداد، لإنشاء أحد أكثر مراكز الرصد التي عرفها العالم الإسلامي تطوراً في تلّة تقع على طرف مدينة مراغة القريبة، وبفضل هذا تجمّع في هذا المركز علماء الفلك من شتى أرجاء العالم الإسلامي، وجُمعت فيه مكتبة من أكبر المكتبات تضم مخطوطات نادرة جُلبت من بلاد الرافدين وبلاد الشام ومناطق أخرى، وكان ابن الفوطي أمين هذه المكتبة الضخمة، التي قُدمت فيها دراسات ومساهمات علمية ونظريات فلكية ورياضية جديدة، كان لها دورها في تطور معارف علمية كثيرة مازالت حتى اليوم، محّط اهتمام ودراسة ومتابعة عالمية..
وبفضل علم الفلك الرصدي الذي تأسس في مدينة مراغة بعد احتلال وتدمير بغداد بسنة واحدة، كان المهندس «العرضي» يعمل على تركيب وتطوير الأدوات الفلكية، مما ساعد العالم «ابن الشاطر» (توفي عام 1375م) في دمشق، وتطور علوم هندسة الميكانيك والبصريات والطب.. وهنا لابد من الإشارة إلى إنجازات ابن النفيس الدمشقي الذي تعلّم وعلّم في دمشق (توفي عام 1288م) واكتشف الدورة الدموية الصغرى، قبل عالِم الغرب «وليم هارفي» بنحو أربعة قرون، ودحض عقائد جالينوس اليوناني، وقال: «هذا هو الرأي المشهور، وهو عندنا باطل، واستمرت الإنجازات العلمية والحضارية بشكل متواصل حتى القرن الخامس عشر الميلادي، بعيداً عن «عصر الانحطاط» الذي يمكن القول عنه بثقة بأنه كان نسبياً، ولم يكن شاملاً كما يدّعي بعض الباحثين والدارسين، الذين أغفلوا جوانب كثيرة ظلّت مزدهرة ومتطّورة، بعد سقوط بغداد، ولكن في مراكز إشعاعية وعلمية وثقافية أخرى من العالم الإسلامي، وبثقافة عربية وإرث حضاري عربي إسلامي..
المصدر : الباحثون العدد 57 آذار 2012