مقالات الباحثون
الفرن الذي بداخلنا.. إعداد: د.سائر بصمه جي

 

لو امتنعتَ عن الأكل منذ اليوم، فقد تعيش أكثر من شهرين. أما التمساح فقد يعيش لمدة سنة أو أكثر. لماذا هذا الاختلاف؟ في الواقع لا يمكننا تفسير ذلك إلا بأنك تهدر الكثير مما تأكل من الطعام الذي يولّد الحرارة.
إن ظهور ذوات الدم البارد أو ذوات الحرارة المنخفضة، يشكل أحد أكبر ألغاز الحياة. من المؤكد، يوجد بعض الفوائد من خلال إبقاء النشاط في البرد الذي يبقي على الدفء والراحة الصغيرين، وتجنب للخروج إلى ساحة مفتوحة لامتصاص الحرارة من الشمس.
يكمن الأمر بأنك قد تحصل أكثر على الفوائد نفسها وذلك بإخراج الحرارة فقط عندما وحيث يتطلب الأمر ذلك كما تفعل العديد من الحيوانات. لكن لماذا تحتفظ معظم الطيور والثدييات بأفران تحرق 3.42؟
الحرارة الموجودة بالنسبة للطيور تكون وسطياً 40 درجة مئوية أي إنها ذات قيمة محددة. ويعادل ما تأكله بعض الحيوانات ذوات الدم الحار في يوم واحد ما تأكله الزواحف في شهر.
لقد عمل علماء الأحياء بكد ولمدة طويلة لفهم: لماذا نحن والثدييات وأبناء عمومتنا الطيور ذوات الريش من ذوات الدم الحار؟
يكمن التفسير المعياري لذلك أنها تكيفت لآكلات لحوم صغيرة لكي يكون نمط حياتها مفترسة ونشطة. في عام 2008 تم طرح فكرة أساسية جديدة: لقد ظهرت ذوات الدم الحار ضمن آكلات اللحم وضمن آكلات النبات كطريقة لموازنة متطلباتها الغذائية.
مع ذلك إن هذه الفكرة جديدة جداً، فقد تفسر ليس فقط لماذا نحن لدينا نمط حياة مسرف بشكل ظاهري؛ بل والإجابة عن سؤال قديم يتعلق بالديناصورات، لماذا نمت الديناصورات بشكل كبير جداً؟.
تتولد الحرارة في الثدييات والطيور على نحو رئيس من الأعضاء الداخلية مثل الكبد والدماغ. هذه الأعضاء عادة أكبر من نظيراتها من الحيوانات ذوات الدم البارد والإكتوثيرميس Ectotherms وتحوي خلاياها بحدود خمسة أضعاف من العوامل المحرقة للغذاء والجسيمات الصغيرة الموجودة في خلايا الجسم والنتيجة هي تولد الحرارة باستمرار، محتفظة بكامل الحرارة طوال الوقت.
لكن هذا هدر كبير للغاية، وخصوصاً عندما تعدّ الكثير من الحيوانات الأخرى قد تكيفت بإستراتيجيات فعالة أكثر. على سبيل المثال: يحفظ الجلد الخلفي للسلاحف الحرارة التي تولدها حين تسبح لتبقي درجة حرارة أجسامها على 10 درجات مئوية أو أعلى مما تكون عليه درجة حرارة مياه البحر، وتتيح لها بأن ترعى في مياه ذات برودة أكثر من السلاحف الأخرى. أيضاً تدفئ أسماك السيف عيونها وأدمغتها بشكل اصطفائي حين الصيد، بينما تبقي بعض أسماك القرش وسمك التونا عضلات سباحتها بدرجات عالية أعلى بكثير من درجة حرارة الماء. حتى أن بعض الحشرات مثل عث الصقر يمكنها أن تولّد الحرارة حينما تحتاجها.
بالنسبة للإنسان فإن الأدَمَة (وهي الطبقة الوسطى من الجلد) هي التي تساعد في حفظ درجة حرارة الجسم عند معدلها الطبيعي؛ فالجسم ينتج كميات هائلة من الحرارة أثناء احتراق الغذاء. ويتسرب بعض هذه الحرارة من الجسم عن طريق الأوعية الدموية في الأدمة. فعندما يكون الجسم بحاجة إلى حفظ الحرارة، تضيق هذه الأوعية الدموية، ومن ثم فإنها تحد من فقدان الحرارة. وعندما يحتاج الجسم للتخلص من الحرارة، تتمدد الأوعية الدموية، وبذلك تزيد من فقدان الحرارة. والغدد العَرَقية - وهي جزء من البشرة - تساعد في التحكم في درجة حرارة الجسم أيضـاً. وتفرز هذه الغدد العَرَق، الذي يتسرب عن طريق مسام على سطح الجلد. ومع تبخّر العرق من السطح يبرد الجسم.
صورة  1
لماذا تهبط حرارة الجسم ؟
في الحالة التي تكون فيها درجة حرارة جسم الإنسان أقل من المعدل الطبيعي وهو 37°م يحدث هبوط الحرارة وتسمى هذه الحالة بـ"الهايبوثرميا". وقد يكون سببها التعرض الفجائي للبرد. وخلال حالة هبوط الحرارة، يتباطأ نشاط الأعضاء والأنسجة في الجسم، كما يقل احتياجها للأكسجين.
يمكن أن تهبط حرارة الجسم عند متسلقي الجبال والمتزلجين على الجليد وآخرين ممن يضلون الطريق في الطقس البارد. مع ذلك، فإن التعرض لدرجات الحرارة داخل البيوت حتى 18°م، يمكن أن يُحدث هذه الحالة. ومثل هذه الحالات تحدث غالباً بين كبار السن، وحينما يفقد الكثير منهم القدرة على الشعور بالبرد. وقد يموت المصاب بهذه الحالة إذا استمر جسمه في فقدان الحرارة. ويمكن إعادة تدفئة الجسم عن طريق وضع الشخص في الماء الدافئ ثم لفه بعد ذلك بأغطية دافئة.
ويتناقص معدل نبضات القلب وضغط الدم خلال التعرض لحالة معتدلة من هبوط الحرارة. فعندما تكون درجة حرارة الجسم بين 35 و28°م يُصبح التنفس أبطأ وأقل عمقاً. وإذا ما أصبحت درجة حرارة الجسم بين 30 و 28°م يفقد الشخص المصاب وعيه. أما عند التعرض لحالة هبوط حراري عميقة ـ من 18 إلى 15°م ـ فتتوقف حركة القلب تماماً، كما يتوقف تدفق الدم وينعدم أيضاً النشاط الكهربائي للدماغ.
وقد يتسبب الأطباء الجراحون في حدوث الهبوط الحراري من أجل القيام بعمليات جراحية مختلفة. كما في عمليات الدماغ أو القلب التي يسمونها جراحة القلب المفتوح أو إجراء عمليات أخرى يهدفون من ورائها تغيير مجرى الدم في الجسم. وفي درجة الحرارة العادية للجسم، يمكن أن تتعطل عدة أعضاء في الجسم عن العمل كُلّية إذا لم تتلق الأكسجين من الدم لمدة تزيد على عدة دقائق. وعندها يتوقف عمل الدماغ إذا استمرت هذه الحالة فترة تتراوح بين ثلاث وخمس دقائق. ولكن خلال حالة هبوط الحرارة العميقة يمكن أن يوقف تدفق الدم بأمان.
ويمكن أن تحدث حالة هبوط الحرارة إذا تم وضع المريض في ماء مثلج. وإذا استخدم الأطباء آلة القلب/الرئة فإن الدم يمكن أن يبرد قبل أن يدخل في جسم المريض مرة أخرى. وقد تُستخدم هذه الطرائق جميعاً في بعض الأحيان، إذ تعود درجة حرارة الجسم إلى وضعها الطبيعي عن طريق تدفئة الدم عندما يمر من خلال آلة القلب/الرئة، أو عن طريق لف المريض بأغطية خاصة أو وضعه في ماء دافئ.
دم حار أم بارد؟!
الانقسام القديم بين ذوات الدم الحار وبين الدم البارد نلحظها الآن أيضاً بسيطة جداً لنتعامل معها بِأساليب مختلفة كحيوانات تضبط درجة حرارة أجسامها. ونقدم هنا بعض الأمثلة:
    لا تضبط الخلدان الجرداء درجة حرارة أجسامها بل تستمدها من جحورها. عادة درجة الحرارة الثابتة هي 30 درجة مئوية إنها معروفة فقط بثدييات إكتوثيرميس.
    بعض الحشرات مثل زيز الأباشي apache cicada تتعرق وتفرز الرطوبة كي تبرد أجسامها ببضعة درجات حرارة.
    يرتجف ويهتز الثعبان الهندي وبعض الأفاعي الأخرى عندما تحتضن البيض وذلك لتدفئة نفسها بدرجة حرارة 8 درجات مئوية.
    تحتفط المونوتريميات monotremes مثل خلد الماء والقنادس بدرجة حرارة 32 درجة مئوية وهي أدنى جداً من 37 درجة وهو معدل الثدييات المشيمية. بالنسبة لمعظم الحيوانات الجرابية فإن درجة حرارتها 35 درجة مئوية.
    بالنسبة للهيراكسات Hyraxes يعوزها الاحتفاظ بدرجة حرارة ثابتة وهي تلجأ إلى سلوك يشبه سلوك الزواحف مثل التشمس لتبقى دافئة.
لكن لماذا معظم الحيوانات تحوِّل المنظم الحراري إلى الحد الأعلى دائماً؟
التفسير الرئيس لهذا وضعه عالم الأحياء ألبرت بينيت من جامعة كاليفورنيا بايرفاين وجون ربين من جامعة ولاية أوريغون منذ ثلاثة عقود. حيث افترضا أن تكيفات ممتصي الحرارة أو خافضي الحرارة كلها كانت حول قدرة الاحتمال. وقد لاحظا أن الثدييات والطيور لديها قدرة هوائية عالية إذا ما قورنت بالحيوانات الأخرى، التي تزود عضلاتها بالكثير من الأوكسجين
وتبقي تلك المؤونة مستمرة لفترة طويلة. بالنتيجة، فهي قادرة على تحمل الجهد لمدة طويلة، سواء في مطاردة الفريسة أو مقاتلة المنافسين. استمر كل من بينيت وربين بمحاولة شيء أكثر تعقيداً: إن المستوى العالي لهذه المقدرة الأكيدة تؤدي إلى نسبة أيضية في الأوقات كافة. بمعنى آخر، إن اختيار الطاقة بالنسبة لقدرة الاحتمال يقود إلى تخفيض الحرارة.
لا يتفق الكثير من الأشخاص مع هذا الرأي، فلا يوجد سبب واضح لماذا ينبغي على الاثنين أن يكونا مترابطين: تعتمد المقدرة الهوائية على جهاز القلب والأوعية الدموية والعضلات بينما تعتمد الأيضية المتبقية على الدماغ والأعضاء الداخلية. على رأس ذلك، توجد بعض الزواحف مثل سحالي المراقبة لديها مقدرة هوائية عالية لكن نسبة الأيضية المتبقية متدنية. تحقق بعض الثدييات والطيور نفس الشيء جداً وذلك بتخفيض درجة حرارة أجسامها عندما تكون في حالة خمول أو سبات. لم يتم حقاً إثبات فرضية المقدرة الهوائية أو دحضها أبداً. مع وجود محاولات جادة للقيام بهذا الأمر.
ثمة تناقضات أخرى أيضاً. لقد كان لدى ديناصورات ثيربود Theropod وهي المجموعة التي تتضمن ديناصورات فيلوكيسيربتورس Velociraptors بالتأكيد مقدرة هوائية عالية. يوافق أغلب الباحثين أن يعتمدوا على الخط التكيفي للطيور. لكن هل كانت من ذوات الحرارة المخفضة؟.
يصر ربين على الجواب وهو: لا.. مع أن فرضية المقدرة الهوائية تعطي هذا الربط. فهو يوافق على أن ديناصورات الثيروبود كانت تتمكن من سرعة وعمل كبيرين. لكنه يعتقد أنها كانت تحتفظ بأيضية متبقية. بنى استنتاجه هذا على الحقيقة بأنها كانت تفتقر إلى ما يدعى بالقرائن التنفسية أو توسع التفاف قوقعة العظام أو الغضروف في المجاري الأنفية للطيور والثدييات التي تخفض من فقدان الماء خلال التنفس وهي مشكلة كبيرة عندما يكون لديك "تحولك الغذائي السريع".
لذا إن لم يكن ثمة ضرورة للربط بين قدرة الاحتمال والدم الحار، فإذاً لماذا ظهر هذا الأمر لدى الكل؟ هنا يتدخل مارسيل كالاسين وبارت نوليت من معهد الأحياء الهولندي واللذان يدرسان قياس الاتحاد العنصري للمركّبات النقية، كيف تحصل الحيوانات على ما يكفي من المواد المغذية التي تحتاجها. لدى آكلات النبات مشكلة معروفة جداً هنا: كيف لها أن تحصل على النتروجين الكافي الذي تحتاجه لصنع البروتينات و DNA وRNA ؟
بالأساس، إن آكل أوراق النبات فقط، فإنه سيحصل على كربون أكثر من اللازم ولن يكون النتروجين كافياً. بعض الزواحف هي آكلة النبات لكن أسلوب حياتها ليس مشتركاً مع تلك المراوغات. يقول روبرت أسبينردا من جامعة ولاية كاليفورنيا بنورث ريج: "من حين إلى آخر تأكل سحالي آكلة النبات الحشرات والفقريات الصغيرة وهذا بلا شك يساعدها كي تتغلب على نقص المواد المغذية".

صورة  2+3
تكشف الصورة تحت الحمراء مكمن تسرب حرارة الجسد للخارج وحيث الكائنات ذات الحرارة الأعلى.
 
في عام 2008 قدم كل من كالاسين ونوليت موضوعاً عن النتروجين ولعله يوضح لماذا تطورت الطيور والثدييات ذوات الدم الحار. يقول كالاسين: "إذا كان دلو واحد من أوراق الشجر يعطيك خُمس النتروجين الذي تحتاجه، فإن كل ما تحتاج هو أن تأكل خمسة دلاء. ماذا تفعل بكل الكربون الفائض؟ تحرقها. كذلك هي ذوات الحرارة المخفضة.
يعتقد بأنه من الممكن أن ترتفع نسبة الأيض المتبقية في الحيوانات التي تعتمد على نظام غذائي لآكلات النبات. ويتابع إن "ديناصور الثيروبود الذي تحول إلى آكل نبات قد استفاد من الدم الحار. من المحتمل التي كانت تعتمد على نظام غذاء أوراق النبات قد تكيفت إلى ذوات الحرارة المخفضة في المركز الأول".
اعتراض يقف إزاء هذه الفكرة وهي أنها تبدو فاشلة: يؤدي الأيض الأعلى إلى انقلاب أعلى للبروتينات وذلك مطلب كامل أكبر للنتروجين. يتوجب على الطيور والثدييات الحديثة أن تستهلك أربعة أضعاف من النتروجين تقريباً باليوم أكثر مما تستهلكه زواحف ذات حجم مماثل، هذا بحسب رأي كالاسين ونيولت.
على أي حال، يوجد تعويض من ناحية نوع طعام ذوات الحرارة المخفضة بإمكانها أن تبقى على قيد الحياة معتمدة على ذلك النوع. لعله يتحتم على آكلات النبات ذوات الحرارة المخفضة أن تأكل أكثر. لكن كالاسين ونيولت يعتقدان أنه بوسعها أن تعيش على الطعام الذي يحوي فقط على نصف إلى ربع مقدار النتروجين لكل تعبئة فم.
لعلك تفكر أيضاً بأنه يوجد طرائق أبسط للتخلص من الكربون الفائض، إنما في الحقيقة ذوات الحرارة المخفضة لديها حل بسيط جداً. إن تحويل الكربون الزائد إلى غاز باستطاعتها أن تطرحه عن طريق التنفس وهي الوسيلة الأبسط للتخلص منه.
والأكثر من هذا، فإن التغيرات الجزيئية المطلوبة تبدو بسيطة نسبياً. بحسب رأي فرانك سيباتشير من جامعة سيدني في أستراليا، أن تطور الفراخ يبدأ بتوليد حرارتها الخاصة عندما تنتج خلاياها جسيمات في هذه الخلايا تحت تأثير بروتين يدعى PGC-1 ألفا. ربما قد حدث تحول آخر مماثل أثناء التكيف، في التغيرات التي حدثت لتصنع بروتين PGC-1 ألفا أكثر بقليل.
حرارة الجسم مصدر نظيف للطاقة
 في عام 2012 توصلت أحدث دراسة إلى طريقة يمكن من خلالها شحن وتزويد الهاتف المتنقل بالكهرباء باستخدام حرارة الجسم فقط. حيث نقلت مجلة "التايم" الأمريكية عن تقرير أن "الباحثين تمكنوا من تطوير نوع من المحافظ الخاصة التي يوضع بداخلها الهاتف المحمول، والتي تعمل على توليد الكهرباء من خلال الاختلاف بدرجة الحرارة بين الجسم ودرجة الحرارة الخارجية حول المستخدم". وأشارت الدراسة إلى أن المواد المستخدمة في هذه الحافظة، والتي تستند في توليدها للطاقة الكهربائية على علوم المواد (الإلكتروحرارية) هي في الغالب باهظة الثمن وتكلف نحو ألف دولار للكيلوغرام الواحد. ويسعى الباحثون لتطوير هذا المنتج باستخدام مواد شبيهة، بإمكانها تحويل الحرارة إلى كهرباء، حيث تجري الأبحاث على عدد من المواد الأرخص سعراً لتزويد السوق بمنتجات أكثر وبأسعار تكون منافسة لمثيلاتها من أجهزة الشحن التقليدية. وأشار التقرير إلى أن الباحثين في الدراسة يعملون على تصميم ملابس خاصة من المواد المستخدمة لتحويل الحرارة إلى طاقة كهربائية، لدرجة تكفي وضع الهاتف المحمول في جيب البنطال أو الجاكيت للقيام بعملية شحن البطارية.
  باحث وكاتب علمي من سورية.



 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017