مقالات الباحثون
لا بعد ثالثاً في الفن الإسلامي ولا اسم للفنان المبدع .. بقلم: ممدوح قشلان

 
عندما غاب التشبيه الحي للعناصر الإنسانية في الفن الإسلامي كان مبرراً للفنان المسلم (المتقيد بتعاليم الدين الحنيف) أن يتوجه إلى العناصر النباتية كالأشجار والنباتات والأزهار والأشكال والتراكيب الهندسية، حيث برع في معالجتها في ابتكارات التداخل الخطي والتوريق الذي حمل اسم Arabesque ووصل به إلى تعقيدات وتداخلات ووحدات تشغل أكبر الفراغات والمساحات التي تحتاج إلى زخرفة في غاية الروعة والجمال غير المسبوق.
وكما اختفى التشبيه الشكلي للعناصر الحية كذلك اختفى اسم الفنان المبدع ونادراً ما نجد في الفن الإسلامي اسم منفذ العمل الفني، وحتى في الرسوم العلمية والفلكية والجغرافية والطبية، يغيب اسم الفنان، في حين إن الخطاطين والمزوّقين والمذهّبين الذي زخرفوا الكتب كان لهم شأن رفيع في المجتمع الإسلامي وكانوا يدوّنون أسماءهم أسفل كتاباتهم بخط صغير، وهكذا اشتهر منهم الكثير في مختلف الأقطار الإسلامية.
برغم أن الفن الإسلامي حاز على إعجاب العالم بما أوجده من قيم فنية مميزة وذات مدلولات عميقة في أسس العمل الفني وارتقاء الإبداع والجمال، على الرغم من كل ذلك، فإن معلوماتنا عن الفنون التشكيلية العربية الإسلامية قليلة جداً وخاصة في العصور الأولى لانتشار الإسلام.
ويذكر الطبري عن اتجاه المسلمين إلى التزيين باستخدام الجماد والنباتات، وفي العصر العباسي انتشرت الرسوم والصور التي تمثل أشكال الكائنات الحية والمخلوقات المتنوعة بل أنهم أخذوا يبتكرون الأشكال المجردة والمحوّرة عن الطبيعة بحيث يغلب عليها المسحة الزخرفية والجمالية. وقد أدى (تجريد) هذه الأشكال عن واقعها تدريجياً إلى نمو وتكامل الصفات الخاصة بالأسلوب الفني الإسلامي المميز بالطابع الزخرفي.
ويمدنا المقريزي – وهو من مؤرخي القرن الخامس عشر الميلادي – بمعلومات عن نشأة مدرسة لتزيين الكتب بالصور في مصر خلال العصر الفاطمي، ويروي أن مكتبة الخلفاء كانت تحتوي على عدد كبير من المخطوطات الزاخرة بالرسوم والصور الملونة وقد شاع استخدام الرسم والتلوين في المخطوطات، وسمي هذا الفن (المنمنمات Miniature) واستخدم في مختلف الموضوعات التي تعبر عن مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأدبية.
وقد استخدم الرسم أولاً للتوضيح في الكتب العلمية وبخاصة الطبية والجغرافية والفلكية والرياضية لتوضيح المعلومات بالصور، غير أن هذا الاستخدام تطور إلى رسم مخطوطات الكتب الأدبية وتزيينها بالصور الملونة...
وفي هذا المجال يتصدر كتاب (مقامات الحريري) حيث كان أروعها على الإطلاق وقام برسم صور نسخة من هذه المقامات (الفنان) العربي المسلم يحيى الواسطي فمن هو مؤلف المقامات ومن هو هذا الفنان الرسام؟
المؤلف هو الحريري أبو محمد القاسم بن محمد بن عثمان البصري، المولود في البصرة جنوب العراق. عام 444هـ/1054م وفيها ترعرع وحصل علومه وتربيته الأدبية كما عرف بالذكاء والبلاغة وفصاحة الكلام، وقد اتصل برجال السلطة في بغداد وتقرب إلى البلاط العباسي طوال حياته حيث توفي في بغداد 515هـ/ أو 516 (1120-1121م).
ويذكر (ياقوت الحموي) في (معجم الأدباء):"لقد وافق كتاب المقامات من السعة ما لم يوافق مثله كتاب" وفي الواقع كان الحريري ومقاماته قبلة الدارسين والمتأدبين لكل من يسعى لتحصيل البيان والكتابة الأدبية.
هذا وتختلف الروايات التاريخية في تحديد الشخصية التي قدم إليها هذه المقامات، بعض المؤرخين يذهب إلى أنه رفعها للوزير المسترشد بالله الخليفة العباسي، جمال الدين عميد الدولة الحسن بن علي بن صدقة المتوفي سنة 532هـ، بينما يذهب آخرون إلى أنه كتبها بإيعاز من وزير المسترشد شرف الدين أنوشروان محمد بن خالد بن محمد القاشاني المتوفي 532هـ، ويذكر ابن خلكان أن الرواية الأولى هي الأوثق.
لقد ذاع صيت هذه المقامات على مختلف المستويات الثقافية، الرسمية والشعبية، وتزاحم الحكام والموسرون على اقتناء نسخة منها، حيث كان الناس يتندرون بالأحداث التي أوردها الحريري عن مغامرات الحارث بن همام وأبي زيد السروجي.
وتأتي شهرة هذه المقامات إلى جانب المستوى الأدبي إلى تزيينها وتزويقها بالرسوم الملونة Miniature المعبرة عن الأحداث وصور الناس والأزياء والأثاث والأدوات المختلفة التي كانت شائعة في هذا العصر والتي قام برسمها المصور المبدع يحيى بن محمود بن يحيى الواسطي – أي من مدينة واسط في جنوب العراق.
فمن هو هذا الفنان؟
لقد ولد ونشأ في واسط جنوب العراق. ثم انتقل إلى بغداد، بعد أن عُرف اسمه وذاعت شهرته بمهارته ومن ثم تزعّم ما عُرف بالمدرسة البغدادية في فن التصوير الإسلامي (المنمنمات) وأهم وأروع أعماله رسوم منمنمات مقامات الحريري 1237م، التي عبّر فيها عن واقع عصره في رؤية ذاتية في غاية الدفء والحميمية. لقد أنجز رسم 98 منمنمة غاية في الأناقة والدقة والعفوية (الطفولية تجاوزا Naife) عبر فيها عن مظاهر الحياة في عصره في مظهر تشكيلي مذهل في التأليف والتكوين والحركة والتلوين. لم تغب مظاهر الحركة ونظرات الحوار ضمن إطار البيئة المعمارية أو الصحراوية أو البحرية أو القصور الضخمة.
ويتلخص أسلوب الواسطي (وهو يمثل بجدارة الفن العربي في عصره الأول) بـ:
• ترابط التكوين وبحيث يغطي كامل مساحة اللوحة.
• استخدام الخطوط الانسيابية المرنة في رسم العناصر الإنسانية والمخلوقات الأخرى.
• إسقاط البعد الثالث؛ أي غياب صفة الحجم في العناصر حيث تبدو في بعدين فقط.
• التأكيد على التعبير الإنساني في حالة الحركة وسمات الوجوه.
• استخدام اللون الدافئ والنقي والصريح.
هذه الأسس في العمل الفني تأخذ طريقها اليوم إلى الانتشار وتصبح من مسلمات اتجاهات الفن الحديث، إن وضوح الرؤية الفنية عند الواسطي تعتبر من أسس أسلوبه، إنه يطرح عناصر لوحاته على كامل المساحة ويعطيها الطابع التعبيري بل والواقعي والزخرفي بآن واحد. فلا يترك عنصراً أو بقعة دون أن يشغلها بإبداع، كان يبذل جهداً كبيراً في تزويق وتنميق منمنماته، ولم يقتصر على الصورة فقط بل شمل الزخرفة والخط المذهّب أيضاً واستثمر الفراغ على جانبي بعض المنمنمات وملأه بكتابة عمودية أو مائلة.
ولنلاحظ معاً تصويره المقامة الثانية عشرة والتي تمثل أبو زيد السروجي مرشد وخفير القافلة، الصورة تعبّر عن قافلة تضم مجموعة من الجمال يمتطيها الركبان مع حاجياتهم في حين أبو زيد السروجي يقف قبالة كتلة الجِمال المتراصة، حيث نلاحظ فيها عدة مستويات أفقية، لنبدأ من الأسفل:
1) مستوى الأرض الخضراء نباتات وأزهار تغطي مقدمة اللوحة تؤلف القاعدة التي تحمل بقية عناصر اللوحة.
2) أعمدة البناء وهي أرجل الجمال تنتصب في رشاقة وحيوية وبنفس الوقت نلمس قوتها في حمل الأشخاص والحاجيات.
3) مستوى وجوه الجِمال الأربعة على نسق واحد.
4) مستوى الأشخاص الممتطية الجمال، تبدو كأنها كتلة واحدة، لا يخفى تناغم حركات الأبدي، الرجل الأول على اليمين يمسك بإبط زميله بقوة.
5) في حين مستوى الوجوه يتركز فيه التعبير الإنساني النفسي وكأنهم في حوار متبادل.
6) ولكي لا يبقى الجانب الأيمن من الصورة شاغراً فقد رسم فيه شجرة ذات أوراق كبيرة.
أما العنصر اللوني فيتركز بالملابس وأغطية الرأس، ألوان زاهية نقية موشحة بوحدات زخرفية، أغطية الرأس كل منها بلون زخرفة مختلفة عن سواها مما يدعم الغنى اللوني.
وبنفس الوقت لم يترك تفصيلاً يساعده على التوضيح إلا وثبّته وخاصة في ملامح الوجوه الإنسانية المتسمة بالبراءة والبساطة والوضوح: الأول من اليمين يحمل تعبير الدهشة والفضول، الرجل الثاني غارق في ابتسامة عريضة والثالث ممعن في التفكير الباسم والرابع (بوضعية جبهيّة شبه كاملة) يبدو كمن يترقب شيئاً ما والأخير سارح النظرات في الأفق البعيد.
هذا الغنى الكثيف في مساحة صغيرة، ومرونة خطية وتماسك العناصر في كتلة واحدة، يعتبر من أروع ما رسم الواسطي.
كما نلاحظ خطوط الرسم في (التصويرة) انسيابية مرنة تؤلف بينها كتلاً متماسكة، يغيب عنها البعد الثالث، تغطيها الألوان على الأزياء والعناصر الأخرى وتجعلها كأنها قطعة واحدة من النسيج أو السجاد المزخرف بكل الألوان ويتوج ذلك الوجوه المعبّرة.
تلك، قمة في الشخصية المميزة لمدرسة فنية فريدة سابقة لعصرها، إنه عرس لوني غابت عنه حواء.

 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017