مقالات الباحثون
محمد كرد علي.. رائد الإصلاح والتنوير.. بقلم: محمد مروان مراد

في أمسية لطيفة من أمسيات دمشق الربيعية الساحرة، رحت كعادتي أحث الخطى متنقلاً في حارات المدينة القديمة.. الحارات الضيقة التي تحتضنك بيوتها الوادعة، بدفء وحميمية، وتنشيكَ بفوح ياسمينها ووردها الجوري.. وفي منتصف زقاق باب البريد وراء الجامع الأموي المهيب، توقفت بين واجهتين سامقتين لمبنيين من روائع التراث المعماري الإسلامي.. عن اليمين من المدرسة الظاهرية، مثوى بطل الإسلام المجلي، وقاهر الصليبيين: الظاهر بيبرس، وموئل أول مكتبة عامة بدمشق أضاءت للمدينة سرادق الفكر النظيف والمعارف الراقية.. وعن الشمال مبنى المدرسة العادلية الكبرى ومثوى الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب..
دلفت من البوابة المهيبة إلى الباحة الرحيبة حيث ما يزال عبق الماضي منثالاً من أركانها السامقة، وعند طرف البحرة الحجرية في وسط الباحة، كانت في انتظاري مفاجأة حقيقية لم تدر في خاطري يوماً.. وجدتني وجهاً لوجه أمام واحد من عباقرة الوطن العربي في عصرنا بغير منازع، ورحت أفرك عينيّ لأتأكد من أنني لا أحلم.. تقدمت خطوة، ثم ما هممت بالسؤال حتى انفرجت أسارير الرجل وربّت على كتفي برفق وهمس، بلى.. بلى أنا هو محمد كرد علي، علامة الشام، كما أطلق عليّ أحبتي.. كانت بصدق لحظة من العمر لا تتكرر، جلستُ فيها مصغياً بكل جوارحي والرجل الشيخ محلّق بي على جناحي الذاكرة الوضاءة، ومطوّفاً في سرادق التاريخ الرحيب..
سرح الرجل بذاكرته بعيداً ثم تابع:
((ولدت في أسرة دمشقية متواضعة، انحدر جدها الأول منذ مئتي سنة، من السليمانية موطن الأكراد شمال العراق، وكانت ولادتي في آذار من عام 1876م، وهي السنة نفسها التي نودي فيها بعبد الحميد الثاني سلطاناً عثمانياً.. هاجرت أسرتي إلى دمشق، واشتغل أبي بالتجارة، وقد سكن في مزرعة بجسرين في الغوطة، وقد تركَت طبيعة القرية في نفسي أثراً عميقاً جعلني أرتبط بالغوطة وبالشام ارتباطاً وثيقاً.
عند ولادتي سمّاني أبي محمد فريد، وألحقني بمدرسة (كافل سيباي) الرسمية، حيث تلقيت تعليمي الابتدائي، وأذكر أن أمي استصحبتني أيامها لزيارة أسرة الشيخ (محمد الطنطاوي) فوقفت مذهولاً أمام رفوف على الحيطان صفّت عليها كتب ومجلدات كثيرة، أخبرتني أمي: هذه كتب يقرأ فيها العلماء، فأدهشني المشهد ولهجة أمي المشتملة على التعظيم، فبادرت أقول: أنا أحب أن أتعلم هذه الصنعة..
التحقت بعد ذلك بالمكتب الرشيدي العسكري الإعدادي الذي تخرجت فيه بدرجة متوسطة لعدم تمكني من الرياضيات بسبب ضعف بصري الذي أصابني لكثرة المطالعة، وتابعت تحصيلي الثانوي وفي أول أيامي سألني الناظر التركي: من أي محلة أنت؟.. وكان من عادتهم أن ينسبوا التلميذ إلى حيث يسكن، فحيّرني الجواب لأن اسم محلتنا: زقاق البرغل، وقلت على الفور: أنا من التعديل، وهكذا صرت طوال ست سنين (محمد تعديل)... وتلقيت أيامها دروساً في الفرنسية ساعدتني في الالتحاق بوظيفة مترجم بديوان الشؤون الأجنبية.. وهنا كان همي الأول أن أعود إلى اسم أسرتي ولقبها الأول: كرد علي.. وحين تحقق الأمر لي، كدت أفقد بعده بسنين راتبي التقاعدي إذ إن محاسب المالية لم يصدق بأن الموظف القديم محمد فريد هو محمد كرد علي نفسه، وأخبرني أن محمد فريد كان تركياً ومات من سنين، ولولا شهود عدول من ذوي النفوذ لحُرمت من تقاعدي لبقية العمر.. يبتسم الرجل ويتابع:
كنت أقرأ أكثر مما أكتب وأكثرت من مطالعة كتب الأدب العربي.. فأحببت العرب ودافعت عنهم، وتأثرت بالقرآن الكريم وتمثّلت بلاغته، وتتبعت كتب الحديث، وحفظت المعلقات السبع وعدداً من دواوين العرب.. وابتاع لي أبي جملة كتب من بسطة عند باب الأموي طالعت فيها مؤلفات في العربية والفرنسية، وأولعتُ خاصة بكتب الفلسفة وعلم الاجتماع وأصول الشعوب ومدنياتها.. ومِلت إلى قراءة الجرائد اليومية والمجلات الشهرية وأنا بعدُ في الثالثة عشرة من عمري، مما أنشأ فيَّ ميلاً إلى الثقافة والصحافة.. وحين صرت في السادسة عشرة بدأت أكتب أخباراً ومقالات في الجرائد...
مسح الرجل جبينه بكفه وتابع: لقد كان من حسن طالعي وقتذاك أن أتصل بطائفة من شيوخ عصري الأعلام، وفيهم الشيخ طاهر الجزائري ومحمد المبارك وسليم البخاري وكانوا فحول الأدب والعلم، وبفضلهم اتجهت نحو الدعوة للإصلاح الاجتماعي.
... وجّه العلامة نظرته الحانية إليَّ وأردف بسعادة واضحة: كنت في العشرين من عمري عام 1897م حين وضعت قدمي على عتبة الشهرة في ميدان الصحافة، حيث عهد إليَّ بتحرير أول جريدة صدرت بدمشق، وهي (الشام) الأسبوعية، فكانت ولمدة ثلاث سنوات مدرستي الأولى في الصحافة.. وما لبثت أن دُعيت للمؤازرة في مجلة (المقتطف) القاهرية وكانت ذائعة الصيت أيامها، فنشرت فيها بحوثاً في الأدب والتاريخ والاجتماع لمدة خمس سنين نلت فيها شهرة في عالم الأدب العربي.
وعزمت في سنة 1901م على السفر إلى فرنسا بقصد الدراسة، وفي طريقي إليها مررت بمصر، حيث شاء القدر أن يغيّر خطتي، حين التقيت بصاحب جريدة (الرائد المصري) – نقولا شحادة، فحبّب إلي البقاء في القاهرة والتحرير بجريدته، وقبلت العرض وبقيت فيها عشرة شهور، واتصلت خلالها بالإمام الشيخ محمد عبده، وحضرت مجالسه وأفدت منها كثيراً.. ولما عدت إلى دمشق كان اسمي قد ذاع كصحافي شهير، مما دفع السلطة العثمانية لمراقبتي والتضييق عليَّ، واضطررت للمغادرة إلى مصر ثانية عام 1906، حيث أصدرت مجلة (المقتبس) الشهرية الأدبية العلمية، وثابرت على إصدارها لست سنوات، توليت خلالها أيضاً تحرير جريدة (الظاهر) اليومية و(المؤيد) كما شاركت في تحرير مجلة (العالم الإسلامي) التي كانت تصدر في باريس.
سألت الأستاذ العلامة عن السبب في إطلاقه اسم (المقتبس) على مجلته وجريدته فأجاب: من المعلوم في لغتنا قولنا: اقتبس العلم أي استفاد منه، وعند الكسائي: اقتبست منه علماً وناراً سواء.. وكانت كتاباتي مستندة إلى الاقتباس عن وجوه عدة، أهمها:
الاقتباس من التراث العربي الإسلامي لإفادة الحاضر العربي الواهن ورفعه.
الاقتباس من الغرب المتقدم للنهوض بالشرق المتأخر..
الاقتباس من خزائن اللغة العربية وآدابها القديمة لتحرير الأدب العربي الحديث، وتخليصه من قيوده في عصر فشَت فيه اللغة التركية..
الاقتباس من مزايا اللغات الأجنبية الحديثة وخصائص التأليف والنقد فيها، ورفد اللغة والأدب العربيين بالترجمة عنها.
وقد غدت كتاباتي في (المقتبس) فصولاً جمعتُها ونشرتها في كتب مثل: غرائب الغرب، أمراء البيان، وكنوز الأجداد، وكانت محاور كتاباتي: الدعوة للحرية، ونقد الاستبداد وسوء الإدارة السياسية في الحكم، ورحت أترصّد الشعوبيين وحركات الاستشراق وأردّ سهام كيدها للعروبة والإسلام، وهو ما جرّ علي غضب السلطة، فتعرضت للملاحقة والمحاكمة أكثر من مرة، وطوردت وتشرّدت، ولكنني لم أنثنِ عن منهجي في الخطاب الإصلاحي، وأغريتُ بالمال لأعدل عن انتقادي، فلم يزدني ذلك إلا صموداً.. وغدت حياتي ترحّلاً متواصلاً غادرتُ إلى فرنسا، حيث مضيتُ أدرس وأنقّب عن أمهات كتب الأدب والتاريخ والاجتماع، تنقّلت بين دمشق والقاهرة، وزرت إيطاليا وسويسرا وفرنسا والمجر والأستانة، وكتبت عن مشاهداتي، وعن حضارات تلك البلدان.
في العام 1914 نشبت الحرب العالمية الأولى، وأصدرت السلطة العسكرية العثمانية جريدة يومية عربية بدمشق باسم (الشرق)، وكُلفت بتحريرها، ولهذا التكليف حكاية جديرة بأن تحكى:
- أذكر أن جريدة (المقتبس) كانت معطلة بتهمة العمالة لفرنسا، ثم اتَّضحت براءتي من تهمة الاتصال بالقنصل الفرنسي بدمشق، وصادف ذلك تنصيب أحمد جمال باشا قائداً على الشام، فاقترح عليه والي دمشق خلوصي بك السماح للمقتبس بالصدور مجدداً..
سأل جمال باشا الوالي عني: أليس هذا هو الذي يكتب فينا تلك الكتابات المرة؟..
فأجابه: نعم هو بعينه.. ولكني سأثبت لك تعلقه بالدولة العلية، وأطلعه على تحريات السلطة ورفضي التعامل مع أعداء العثمانيين المسلمين، فسارع جمال باشا إلى القول: - إذاً فالرجل مظلوم جداً، وعلينا أن نعوّضه عن خسائر إغلاق جريدته..
... وما هي غير أيام حتى طُلبت لمقابلة القائد، الذي حاورني في شؤون المقتبس، ودفع لي تعويضاً مجزياً وهو يردد وقد أمسك بلحيته:
- إكراماً لخاطري- أصدر الجريدة بأسرع ما يمكن.. وبالفعل عدت لإصدارها بعد أيام.. دون أن أكتب فيها الافتتاحية المعتادة.. ولفت ذلك انتباه جمال باشا، فسألني عن سبب امتناعي عن الكتابة، فأخبرته أنني كتبت وحذف المراقب أجزاءً من مقالاتي أكثر من مرة.. فبادرني القائد: أكتب، وأنا أراقب ما تكتب.. فإني أعرف كيف أدير القلم في خدمة الحكومة.. وهكذا رحت أكتب وتجاز كتاباتي دون أي حذف منها.
يسترسل العلامة في سرد ذكرياته بلغة مشرقة ولطف زائد:
ما هو غير زمن يسير حتى أصدرت الدولة (جريدة الشرق) التركية، وأسندت إلي رئاسة التحرير، فيما تولى أخي أحمد كرد علي تحرير المقتبس.. وبدا لي أن جمال باشا يكنّ لي احتراماً خاصاً، ويتباسط معي، حتى لقد سألني مرة: ما لك لا تكتب مقالات عن مجد العرب وفضل لغتهم كما كنت تفعل قبل الحرب؟ فقلت له: إن الحرب لم تترك فرصة لتلك البحوث، وسأعود بعد الحرب إليها، فضحك الباشا بسخرية وسألني: كم عمرك؟ فقلت: ثمانية وثلاثون عاماً.. فقال: هذا كثير.. فأجبت: يعني أني صرت كبشاً سميناً، وحان وقت ذبحي لتأكلوا لحمي.. فعقب بضحكة واسعة.
واستعاد الأستاذ هنا واحدة من ذكرياته في تلك الفترة فتابع: (كنت مع أحد الولاة أواخر الحرب العامة، وكان جمال باشا قد غادر الشام، فسألني ذلك الوالي:
- قل لي: ما الذي كان منك لجمال باشا حتى وقعتَ من نفسه هذا الموقع؟ فأجبت: إني لم آتِ شيئاً.. عاد يقول: كنا من أيام نتذاكر فيمن يحسنون الأدب العربي، والمجلس غاصٌ بالحضور، فذكروا رجلاً ذا باع في هذا الأدب، فضحك جمال باشا وقال: إن صاحبكم لا يعرف واحداً من مئة مما يعرف كرد علي.. وإني لا أفهم أحداً ممن يخطبون أمامي باللغة العربية إلا كرد علي، فإني أفهم ما يقول.. ويكهرب أعصابي).
وقد كانت هذه العلاقة بيني وبين جمال مثار غمز من قناتي من قبل المشتغلين بالشؤون العربية، فأخذوا يلمزون سلوكي، ويتهمونني بالوصولية، وأنا الذي أوقفت فكري وقلمي وعلمي وصحيفتي لخدمة قضية العرب، وكنت في أوائل الرواد الذين عملوا لغرس بذور الوطنية في نفوس الأجيال، وكل ما كان مني أني قمت بواجب المسلم في نصرة الخلافة المسلمة على أعدائها، وهو موقف علماء الأمة وقضاتها.
ولما وضعت الحرب أوزارها عام 1918، ودخل الجيش العربي إلى دمشق شمّرت من جديد عن ساعد الجد، لأعاود إصدار (المقتبس)، وفي تلك الفترة قامت الحكومة العربية برئاسة الملك فيصل الأول، بإنشاء ديوان للترجمة والتأليف وإدارة المعارف وكلّفته بإبدال المفردات التركية بألفاظ عربية، وتعريب دواوين الدولة، وعُهد إليَّ برئاسة الديوان، فرحت أدرس أحوال المدارس لإصلاحها على ما يلائم روح الأمة العربية، وقد ضُمت إلى الديوان دار الكتب الظاهرية والمتحف، وتحول بعدها إلى مجلس المعارف، الذي اتخذ مقراً له هنا في هذا المبنى: المدرسة العادلية.
لمحتُ الأستاذ كرد علي، يطبق جفونه، ويسرح قافلاً إلى الماضي البعيد، ومستعيداً بنشوة غامرة بدايات أكثر إنجازاته الفكرية تميّزاً:
- ما زلت أذكر إلى اليوم رحلتي إلى باريس عام 1909، وزيارتي للمجمع العلمي الفرنسي وقد تهيأ لي حضور جلسة رائعة من جلساته الراقية، وفيها امتلأت نفسي حنيناً لموطني وقلت في سرّي: هل يكتب لي أن أرى في الشام مثل هذا المجمع، ونعمل فيه جميعاً من أجل صون لغتنا ومنجزات أمتنا.. أم نبقى كما نحن نعمل فرادى، ونكتفي بالتفاخر بماضينا، غافلين عن ميراث أجدادنا، وعن اقتفاء آثارهم الحضارية البنّاءة...) وهكذا اغتنمتُ الفرصة واقترحت تحويل ديوان المعارف إلى مجمع علمي، فتمت الموافقة، وشرعنا بتأسيس المجمع العلمي العربي في حزيران من عام 1919.
تبدّى الزهو في نبرة الأستاذ وهو يسألني:
- أتدركُ ما الذي يعنيه إنشاء مجمع اللغة العربية؟.. إنه بعبارة موجزة: فتح بوابة الوطن العريضة على ضياء العالم، بعدما ساد الظلام قروناً، والبدء بانطلاقة حضارية تمضي فيها الأمة مع الأمم الأخرى جنباً إلى جنب في ركب التقدم العلمي، وتعلن عما تمتلكه من إرث حضاري ثمين.. وكانت تلك مهمة شاقة تستلزم دأباً وغيرة وحماسة وحساً قومياً يحمله المؤهّلين طواعية، وينذرون له الجهد والوقت والسهر، وما كنت وحدي في ذلك الميدان، بل كنت في كوكبة من الأساتذة المجلّين: أمين سويد، أنيس سلوم، سعيد الكرمي، عيسى اسكندر المعلوف، عز الدين التنوخي، عبد القادر المغربي ومتري قندلفت، ثم انضم إليهم فيما بعد شيخنا الجليل طاهر الجزائري، كما اختار المجمع أعضاء شرف من عرب ومستشرقين من أكثر من 15 قطراً عربياً وأجنبياً، انكبوا على العمل بنشاط دائب في إحياء العلوم العربية، وبعث التراث الإسلامي، وتم جمع ما يزيد على 3000 مجلد، إضافة إلى 3000 مخطوطة كانت في المكتبة، وبُدئ بجمع الآثار لمتحف دمشق، فكانت المحصلة كميات من التماثيل الحجرية والأواني المعدنية والزجاجية والخزفية، ومجموعات النقود الذهبية والفضية والنحاسية والأسلحة، وفي هذه المجاميع ما هو نادر ومتميز كالسيوف الإسلامية، والدنانير الذهبية واللوحات الأثرية النفيسة.
تشع افترارة عذبة على شفتي محدّثي، ويواصل القول:
- انتخبتُ لرئاسة المجمع، فشمّرت عن ساعد الجد للقيام بأعبائه، ليغدو منبعاً لنشر الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، وأداة فعّالة لتطعيم هذه المعارف بالمعرفة الغربية، بما يترجم من علومها وروائع آدابها، إضافة لنشر كتب المفكرين وتيسيرها للناس، وتعريف الناشئة بآداب لم تتح لهم معرفتها، وكرّست وقتي وعزمي لمراسلة المجامع والعلماء والمستشرقين، وتنظيم المحاضرات والندوات، كما أشرفت على نشر مجلة المجمع العلمي بدءاً من كانون الثاني عام 1921، وإمدادها بالبحوث الهادفة، والمعارف الراقية، فصدرت غنية بالدراسات المحكّمة والمقالات الأدبية والعلمية، وعُني المجمع كذلك بوضع الألفاظ العربية للكثير من المفردات الأجنبية في شؤون الحياة ومصطلحات الدواوين، واتجه إلى إصلاح اللغة لدى أبناء الشعب، وسعى جاهداً لنشر المصطلحات العربية بين الناس، ومن أمثلة ذلك: الهاتف بدل التليفون، السيارة بدل أوتوموبيل، ديوان التمليك بدل الطابو، الآذن بدل نوبتجي، رقم بدل نوميرو، تقرير بدل رابور، إضبارة بدل دوسيه.. وهكذا.
ويتذكر الأستاذ كرد علي حَدَثاً آخر في مسيرته فيخبرني، أن سورية العزيزة وقعت عام 1920 تحت الاحتلال الفرنسي، وفُرِض عليها نظام الانتداب، وأسند إليّ وقتها منصب وزير المعارف، فشغلته لحوالي عامين، عدتُ بعدها متفرغاً لرئاسة المجمع العلمي، كما عُهد إليّ ثانية في عام 1928 بوزارة المعارف لأربع سنوات، كرّست موقعي فيها لدعم المجمع وجعله يحتل مكانته المرموقة في خدمة العربية والفكر المستنير.. وظل المجمع يجدد رياستي لمجلسه، فأعود لحمل أعبائه وأداء واجبي في النهوض به وتحقيق أهدافه..
ويشهد الله أني لم أقصر في العمل لإعلاء كلمة المجمع، وإبقائه منبراً للفكر الحر يرفض الرقابة والتدخل في شؤونه، حتى أن الفرنسي المنتدب لحكم سورية، كان سيداً في كل مكان في الشام إلا في المجمع العلمي العربي، إلى حد أن المفوض السامي الفرنسي المسيو بونسو كان يزوره خاشعاً ويقول:
- إن الفرنسيين في سورية يعلّمون، وفي المجمع العلمي يتعلمون.
لقد سبقت سورية الحواضر العربية إلى تأسيس المجمع العلمي، ثم بادرت مصر إلى تأسيس مجمعها اللغوي (مجمع فؤاد الأول للغة العربية) وتوالى إنشاء المجامع في العراق والأردن ولبنان، ونجح مجمع دمشق مع من انضم إلى عضويته فيما بعد، مثل: فارس الخوري، مسعود الكواكبي، سليم عنحوري، عبد القادر المبارك، أسعد الحكيم، سليم الجندي، مرشد خاطر، جعفر الحسني، خليل مردم، جميل صليبا، حسني سبح، شفيق جبري، عارف النكدي، عبد الله زعل، مصطفى الشهابي، محسن الأمين، والشيخ بهجة البيطار، إضافة إلى من انضم إلى عضويته من الأقطار المجاورة، وكلهم من أقطاب الأدب والعلم،.. نجح المجمع في أن يكون موئلاً للتراث الخالد، ومنبراً للكلمة السامية، ففي أبهائه قُدّمت المحاضرات الثقافية والعلمية التي احتشد للاستماع إليها جمهور كبير ضاقت به قاعة المحاضرات فوقفوا عند الأبواب والنوافذ، وقد ناف عدد هذه المحاضرات على أكثر من 400 محاضرة خلال عشرين سنة جمعت ألوان الفكر من علم وتاريخ وأدب واجتماع، قدّمتُ من بينها شخصياً 65 محاضرة، ونشط المجمع لنشر المؤلفات المحققة، والمخطوطات النادرة، وإخراجها للناس، وما أزال أذكر من بينها ثلاثين كتاباً من عيون كتب التراث، صدرت في الفترة ما بين 1921 و1965، وتراوحت بين التاريخ والأدب واللغة والدواوين الشعرية.
... وامتد نشاط المجمع العلمي إلى تكريم أعلام الأدب والشعر في الوطن العربي، فشهد مقرّه بدمشق تكريم أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، بحضور جماهير حاشدة من مختلف طبقات الشعب، كما أقيمت مهرجانات رائعة في مناسبات أدبية راقية كذكرى مرور ألف عام هجري على وفاة شاعر العرب الأكبر أبي الطيب المتنبي، وفي مناسبة ذكرى مرور ألف عام على ولادة أبي العلاء المعري، وكان الحدثان من أيام العرب الخالدة، قدّمت فيهما روائع الشعر وفرائد النثر بحضور أعلام الفكر والأدب في الأقطار العربية..
كانت خيوط نافورة الماء الفضية ما تزال تنثال على صفحة البحرة رقراقة صافية، ومرسلة هسهسة ناعمة، كما لو كان لحن سيمفوني يرافق ذكريات العلامة (كرد علي) الآتية من وراء السنين، وتنبهتُ على وقع خطى هادئة لشيخ معمّم دنا محيياً وخاطبني:
- أنت محظوظ جداً يا بني، فها قد سمعت بأذنك حكايات رحلة تاريخية لا تتكرر، ووقفت على محطاتها الفاصلة.. بالنسبة لي..
قاطع الأستاذ العلامة الرجل ليعرّفني به:
- هذا شيخنا محمد بهجة الأثري علامة العراق الجهبذ، ورفيق مسيرتنا في المجمع العلمي...
فاستطرد الأثري يقول: لقد رافقت أستاذنا كرد علي في المجمع العلمي سنوات طويلة، أغنى فيها خزانة الثقافة الراقية بثمرات قريحته، ونتاج فكره.. وقد تعرفت فيه على الكاتب البليغ، والصحافي الحر، والمحقق المدقق، والمؤلف الموثّق، والمحاضر المتدفق.. تعرّفت إلى موسوعة أدب وعلم متنقلة.
.. وقد ترك للأجيال كنزاً ثميناً من معين عطائه في الأدب والعلم والاجتماع.. وكان قميناً بأن تكون مؤلفاته بالعشرات لو تفرّغ للتأليف وحسب، ولكن عمله الصحفي استغرق وقته وجهده، إذ أخرج ثمانية مجلدات من (المقتبس) في مصر والشام، كان كل مجلد منها معادلاً لأكثر من كتاب،.. نشر علّامتنا ترجمات عديدة وروايات، وجمع جزءاً من مقالاته في مؤلفه: القديم والحديث، ولكن عمله الأرقى الذي نذر له جهده وضوء عينيه كان (خطط الشام) في ستة أجزاء وألفي صفحة، وقد ثابر على العمل فيه خمساً وعشرين سنة، قرأ فيها أكثر من ألف ومئتي مجلد باللغات العربية والتركية والفرنسية، وراجع مخطوطات ووثائق لا يصبر على فك خطوطها إلا من أوتي جَلَداً خارقاً، ولقد بحث عن مصادره في خزائن الشام ومصر والأستانة، وتتبعها في مكتبات باريس ولندن وفي أكسفورد وكمبردج، وليدن وبرلين، وفيينا والاسكوريال، منقباً فيها عن مخطوطات العرب في التاريخ، وأسعفه الحظ بزيارة إلى مكتبة الأمير (كايتاني) في روما، فرحّب به الأمير وفتح له مكتبته، فجعل يمضي فيها ثلاث ساعات يومياً، وينهل من معينها طوال شهر كامل.. ثم أخرج مؤلفه (خطط الشام) مرتباً حسب الأقاليم، يبحث في كل إقليم عن جغرافيته وتأريخه السياسي والمدني وطبوغرافيته وتولت نشره كوكبة من أصدقائه فيها: خليل مردم بك، وفوزي الغزي، ولطفي الحفار، وسامي العظم، وفخري البارودي، وبدر الداغستاني، وجمعت تكاليف الكتاب من خلال فتح باب الاشتراك في الشام ومصر ولبنان والعراق، وكانت المحصلة زهاء ألف ليرة عثمانية ذهبية، طبع من المؤلف ثلاثة آلاف نسخة سددت نفقات الكتاب.. ولم ينل الشيخ العلامة منها غير جزء زهيد لا يغطي ما أنفقه في رحلاته لجمع مصادره، وشراء المؤلفات.. ناهيك عن عمل طوال خمس وعشرين سنة.. ومع هذا كان الرجل مغتبطاً بإنجازه، لأنه يمثّل مرجعاً للباحثين والمؤلفين، وسيخدم أبناء الضاد ويعرّفهم على ماضي الوطن ومآثره الباقية.
ولقد أسرّ لي الأستاذ يوماً – يقول الأثري –: إن من طبعي إلا أهين العلم، أو أسقط قيمته بل رفعت من شأنه ما استطعت، وفي سبيل التعلّم أولاً، والتعليم ثانياً، تم نشر ما عملت ثالثاً، أنفقت نفقات لم ينفقها فيما أحسب إنسان ممن عرفت من أبناء وطني، وليس ذلك منّاً ولا تبجّحاً.. بل هو الحق).
كتب كبار النقاد عن (خطط الشام) في الصحف والمجلات، وأدهشهم الجهد الخارق الذي بذله (كرد علي) له، وقام الأستاذ بإخراج جزء منه في كتاب صغير سماه (دمشق مدينة السحر والشعر) تحدث فيه عن طبيعة دمشق وتاريخها وعمرانها، وعن وصفها في أدب الرحالة العرب والإفرنج.. وتحدث عن سكانها والحياة الأدبية والاجتماعية والاقتصادية، وعن نوابغها وعلمائها وفنونها وحرفها.. وأفرد فصلاً لغوطتها وقصائد الشعراء فيها.
ويتابع الأثري ذكرياته والعلّامة كرد علي مصغ بمحبة للحديث:
من مؤلفات كرد علي كتابه (الإسلام والحضارة العربية) عدّه الباحثون من أجود مؤلفاته وأكثرها إحاطة بمادته، ودفاعاً عن حقائق الإسلام، وإيضاح تأثير المدنية العربية في الغرب، وأصدر كتابه (أمراء البيان) الذي ترجم فيه لأعلام الأدب العربي بأسلوب شائق وديباجة مشرقة واستقصاء لا يبقي لمستزيد من مزيد.
ثم أضاف كرد علي، مؤلفاً جديداً إلى مؤلفاته وهو (كنوز الأجداد) في تراجم الأعلام الذين خدموا الإسلام والحضارة العربية، وأتبعه بكتاب: (أقوالنا وأفعالنا) الذي تناول فيه كثيراً من قضايا الوطن الاجتماعية والسياسية، وتحدث في الأخلاق والدين واللغة، وقد بلغ عدد مؤلفاته الأخرى أكثر من عشرين كتاباً في الأدب والاجتماع والتاريخ والرواية والسيرة والتحقيق...
وتوّج هذه المؤلفات بسفره المتميز: المذكرات، في أجزائه الأربعة، والذي مثّل تاريخاً وتحليلاً للشخصيات، وكان بحق مرآة حياته، ومستودع آرائه وأفكاره، وسجلاً للعصر والرجال، ولصور الحياة وخفايا الناس وألوان التجارب والأحوال.
كنت والعلامة كرد علي منصتين لعرض الشيخ الأثري الذي أراد أن يوجز رأيه في المذكرات فقال: ذُكرت متنزهات الدنيا بين يدي أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد فقال: هذه متنزهات العيون، فأين أنتم من متنزهات القلوب، قالوا: وما هي؟ قال: مؤلفات الجاحظ، وأشعار المحدثين، ونوادر أبي العيناء، وأنا أضيف إليها: مذكرات كرد علي، فهي أبدع ما كتب في هذا العصر، وما يرجى من نفعها أمتع وأفضل وأغزر)... وقد احتفل مشاهير النقاد والأدباء بالمذكرات أمثال أحمد أمين وشفيق جبري، وسامي الدهان.
... ربّت العلامة القدير (كرد علي) على كتف صديقه الأثري، وهتف:
- مهلاً.. مهلاً، من يسمعك يا شيخنا يخالني فعلت ما لم تفعل الأوائل، وأنا في الحق لم أقم بغير الواجب، وردّ الدين للأمة التي أنجبت وعلّمت، وهذه أمانة في عنق الأبناء... أم كنتَ تريدنا - ونحن المتنوّرون بالعلم والأدب - أن نترك الوطن سادراً في غيابة الجهل، وظلمة التخلّف؟ لقد حمل المجاهدون من إخوتنا السلاح وتصدوا بصدورهم للمحتل المستعمر، وجنّدنا نحن الفكر والقلم لتنوير العقول والبصائر، وكلٌّ قام بدوره في ميدانه، بشرف وإخلاص...
أدركت لحظتها بأن وقفتي طالت وحمّلت الأستاذ العلامة فوق طاقته، وبدأت أهيئ اعتذاري.. ولكنني وجدتها فرصة لالتقاط صورة تذكارية معه، فما كان من الشيخ الأثري إلا أن أمسك بالمصوّرة، وهو يردد:
- الله يا سيدي، ها أنا في آخر العمر أغدو مصوّراً.. صحيح مَن يعشْ رجباً يرَ عجباً..
توهّج ضوء العدسة فجأة، وملأ بإشعاعه عيني، ففتحتها وعدتُ من سرحتي إلى نفسي، لأجدني ما زلت واقفاً عند بوابة المدرسة العادلية، معانقاً بمشاعري كلمات اللوحة الأنيقة على جدار المبنى: المجمع العلمي العربي.. تأسس عام 1919.




 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017