مقالات الباحثون
كنوز المخطوطات الإسلامية في مكتبة الكونغرس.. أول مصحف مترجم في العالم، وصور نادرة لبلاد الشام.. 300 ألف كتاب ومخطوط في العلوم والآداب والفنون

الدكتور محمود الربداوي
يمتاز الكائن البشري من بين المخلوقات الكثيرة أنه حيوانٌ مفكر، والتفكير عنده نتاج العقل والذاكرة، فإذا أراد إخراج الفكر من مخزونه في الدماغ عمد إلى التعبير بوسائل مختلفة لعل أهمها اللغة والتعبير في اللغة – أياً كانت اللغة – يُتَّخذ وسيلة لنقل منتجات الفكر والذاكرة، وهذه حقيقة معلومة في أوساط اللغويين وعلماء النفس.
ومهما تعددت وتطورت أدوات ووسائل تقنية المعرفة يظل للكتاب بشكله الورقي بهاؤه ورونقه، كما يظل له مريدوه ومحبوه، إضافة إلى الفوائد التي يجنيها هؤلاء المريدون من المطالعة عبر الصفحات الورقية.
فالقراءة في الكتاب الورقي لها نكهتها وطعمها الخاص، ومن المسِّلم به أن الثقافة – وعمادها القراءة – تصقل شخصية الإنسان، وتنزله منزلة رفيعة في المجتمع المتحضّر، صحيح أن مصادر الثقافة متعددة، ولكن يظل الكتاب من أقدم المصادر وأوسعها، وكلما اتّسعت قراءة الإنسان ومراجعته للكتاب نمت ثقافته، واتّسعت مداركه، وتعددت معلوماته.
ومن المتعارف عليه أن كل المعارف البشرية موجودة في الكتب، وأثمن الكتب التي أنتجتها الحضارة البشرية موجودة في كبريات المكتبات العامة والخاصة، وتتوخى هذه المكتبات بشتى أنماطها أن تحكي الفكر وتنقل نتاج الذاكرة منذ أقدم العصور.
* المكتبة العامة:
وتُسمى أيضاً المكتبة الوطنية، أو القومية، أو العالمية، أو الدولية، وهي التي تقدم خدماتها بالمجان لجميع فئات المستفيدين بدون تمييز، أي لجميع الأعمار، وتهدف لنشر الثقافة والوعي الفكري، وتنويع مصادر المعرفة للمواطن العادي، وتهدف أيضاً لعقد الاجتماعات والمحاضرات العامة والندوات أي أنها تتبع كل الأساليب التي من شأنها تحقيق اللقاء المباشر بين الكتاب والمعلومات وجمهور الناس.
والمكتبة الوطنية هي المكتبة الرسمية للدولة، وهي مؤسسة كبرى أنشأتها الدولة لكي تكون مستودعاً للنشاط الرسمي لهذه الدولة في حقل البحث في التأليف والنشر، وفي الغالب تكون مكتبة واحدة لكل دولة في عاصمتها، مثل مكتبة المتحف البريطاني في لندن، ومكتبة لينين في موسكو، والمكتبة الوطنية في ألمانيا، ومكتبة الكونغرس في واشنطن.

* مكتبة الكونغرس:
«المكتبة الأكبر والأكثر كلفة، والأكثر أماناً في العالم»
نُقشت هذه العبارة على قبة مبنى (توماس جيفرسون) وهي البناء الرئيس لمكتبة الكونغرس، وتُعَد هذه المكتبة من المعالم البارزة في واشنطن، حيث تضم 130 مليون مادة مختلفة، منها 29 مليون كتاب، ومواد مطبوعة بـ 460 لغة عالمية، نصف هذه اللغات غير إنكليزية، بل توجد فيها لغات غير معروفة في العالم أو انقرضت، فهناك أكثر من لغة مكتوبة ومحفوظة فيها. وأكثر من 58 مليون وثيقة، وتُعد أكبر مرجع في العالم للمواد القانونية والأفلام والمعزوفات الموسيقية، وفيها صور شخصية لشخصيات عامة وهامة ونجوم الفن والرؤساء في الدول الأجنبية، وصور للحروب والزلازل والكوارث الطبيعية، ولوحات فنية وخرائط قديمة وحديثة لكل دول العالم وعواصمها.
أُسست هذه المكتبة في عام 1800م لتخدم أعضاء الكونغرس الأمريكي، ويعود الفضل في إنشائها للرئيس (توماس جيفرسون) الرئيس الأمريكي الثالث، كان كاتباً ومهندساً وقانونياً، ودبلوماسياً ولتعدد المواهب التي اجتمعت فيه أُعجب به الرئيس الأمريكي الثاني (جون آدامز) فجعله نائباً له.
وبالعودة إلى أحوال المكتبة نقول إنها كانت ملحقة – منذ إنشائها – بمبنى الكونغرس إلى أن أحرقها الإنكليز سنة 1814م في حرب الاستقلال عن بريطانيا، ففقدت المكتبة جزءاً من مقتنياتها، فعوضها القائمون عليها بشراء مكتبة (جيفرسون) الخاصة وفي عام 1851م تعرضت لحريق كبير، ودمرت النيران ما يقرب من 35 ألف كتاب من أصل 55 ألف كتاب، وفي عام 1870 صدر قانون الإيداع الذي يضمن حق المؤلف، الأمر الذي يتطلب إيداع نسختين من كل كتاب في المكتبة التي عُدت المكتبة الوطنية للولايات المتحدة الأمريكية.

* أكبر مكتبة متخصصة في القانون:
في عام 1981 افتتح المبنى الجديد الثالث المسمى بمبنى «ماديسون» الرئيس الرابع للولايات المتحدة الذي يُعد الأب الشرعي للدستور والحقوق الشرعية، وأقيم تمثال لماديسون ونُحتت على جدرانه ثمانية أقوال من كلام الرئيس عن الحرية والتعلم والمعرفة، وفضلاً عما ذكرناه سابقاً عن محتويات المكتبة فهي تضم أكبر مكتبة متخصصة في القانون في العالم، ففيها حوالي 4.2 مليون مصنف تُعد مرجعية لأعضاء الكونغرس، وتضم المكتبة أندر مجموعة من المخطوطات في العالم، وأكبر مجموعة من أوائل المطبوعات الأوربية، أبرزها أندر مئة كتاب للأطفال في العالم، وفيها أيضاً أصغر كتاب في العالم، حجمه 1.25 بوصة، يتم تقليب صفحاته بدبوس صغير، كما أن بمكتبة الكونغرس أكبر كتاب في العالم، يحتوي على صور بالحجم الطبيعي للطيور الأمريكية.
وتضم المكتبة أيضاً 5.2 مليون تسجيل صوتي لخطب الرؤساء جميعاً منذ أن تم اختراع التسجيلات، فالمكتبة تتطور يوماً بعد يوم لتظل على قمة مكتبات العالم، ففيها مليون رسالة دكتوراة، وكتاب الطبعة الأولى من الإنجيل الذي تمّت طباعته في ألمانيا، وللمكتبة نشاطات ثقافية واجتماعية وفنية وتعليمية، ومناقشات فكرية تجمع لها فلاسفة ومفكري العالم.
ومكتبة الكونغرس فضلاً عن هذه الضخامة في البناء والمحتوى فقد انتشرت فروعها في بلدان ذات حضارات عريقة، فهناك فرع للمكتبة في مصر وكينيا والهند وإندونيسيا وباكستان والبرازيل. وفي عام 2011 احتفلت مكتبة الكونغرس في مصر بمرور خمسين سنة على تأسيسها في القاهرة.

* حظ الكتاب العربي والثقافة العربية في مكتبة الكونغرس:
يستأثر القسم العربي في المكتبة بجناحٍ كبير، لا مبالغة إذا قلنا إنه أكبر قسم بعد الأقسام المكتوبة باللغة الانكليزية، يحتوي على كنوز من الكتب والمخطوطات والمسجلات، جلبها القائمون عليها من شتى أنحاء العالم، فمنها أول مصحف مترجم في العالم عام 1765م، ويعتقد أن الرئيس جيفرسون اشترى المصحف لأن دراساته القانونية كانت كثيراً ما تشير إلى القرآن كمصدر للتشريع الإسلامي، والترجمة التي اقتناها جيفرسون ترجمها (جورج سيل) وهي أول ترجمة للقرآن من العربية للإنكليزية مباشرة، فالترجمات الإنكليزية التي سبقته كانت تنقل عن القرآن المترجم إلى اللغة الفرنسية، ويُعرف المصحف المترجم في مكتبة الكونغرس باسم (مصحف جيفرسون).

* مخطوطات عملية في سائر مجالات المعرفة:
 يضم قسم الشرق الأوسط في مكتبة الكونغرس 300 ألف كتاب باللغة العربية ولغات الشرق الأوسط الأخرى, وكتبت على أبواب هذا القسم أسماء المدن العربية وعلى هذا الاهتمام بالكتب العربية حصلت مكتبة الكونغرس على كمية جيدة من المخطوطات العربية الإسلامية المنتشرة في غربي إفريقية وضعتها في جناح خاص وتغطي المخطوطات موضوعات شتى من تعليم القرآن الكريم إلى الرياضيات والفيزياء والطب والفلك, أما الكتب الأخيرة فقد تم تحديد أماكن وجودها في مالي (تمبكتو) والبلدان المجاورة مثل موريتانيا والنيجر وبوركينافاسو, ويبلغ عددها التقديري 5 ملايين مخطوطة تنتمي إلى عصور قديمة حتى القرن التاسع عشر, وهناك مجموعة من نسخ القرآن الكريم مخطوطة بالعربية يعود تاريخها إلى مئات السنوات ونسخة أخرى فيها أسماء الله الحسنى, كما توجد في الطب العربي, مؤلفات تتحدث عن الأمراض وأسبابها, كتبها محمد الجزولي المتوفى 1465 ميلادية, وهناك لوحة فنية جميلة للمسجد الحرام بمكة المكرمة, ولوحة أخرى للمسجد النبوي في المدينة المنورة, يظهر فيها موقع بيت الرسول بجوار مسجده, وهو الذي دفن فيه بعد ذلك، وبعد صورتَيْ الحرمين صورة للمسجد الأقصى قبل مئات السنين, ثم لوحة خطية جميلة تفنَّن فيها الخطاط بكتابة البسملة.

* صور نادرة للعالم الإسلامي:
نشرت مكتبة الكونغرس صوراً نادرة وفريدة تمّ التقاطها في مناطق متعددة من بلاد الشام خلال الفترة بين 1890 و1900م، وتظهر الصور بعض مظاهر الحياة التي كانت قائمة آنذاك، والملابس العربية للسكان، ويُذكر أن هذه الصور تمّ التقاطها في فلسطين ولبنان وسورية أثناء الحكم العثماني لأكثر من أربعمئة سنة، من هذه الصور صورة مسافرين بالقرب من معبد الشمس في (بعلبك) وصورة صيادين في بحيرة طبريا، وصورة بوابة يافا إحدى بوابات القدس، ومثلها بوابة دمشق إحدى بوابات القدس، وأحد أسواق القدس، وعمال يقطعون الحجارة في القدس، وبيروت كانت عامرة قبل 120 عاماً، وينبوع العذراء في مدينة الناصرة، وضريح مريم المجدلية، وهناك مجموعة أخرى اكتفينا بذكر أهمها.

* الريحاني وأول رواية عربية:
احتفلت (مكتبة الكونغرس) سنة 2011 بذكرى مرور مئة سنة على أول رواية عربية – أمريكية، وهي كتاب (خالد) التي كتبها أمين الريحاني سنة 1911 في نيويورك، وتصور الرواية مشكلات هجرة العرب إلى أمريكا مع بداية القرن العشرين، ويحاول الريحاني أن يعرّف الأمريكيين بالثقافة العربية، وتعريف العرب بالثقافة الأمريكية، وأطلقت المكتبة ما سمته (سنة أمين الريحاني العالمية) حيث تمّ الاحتفال بالأديب طوال سنة كاملة من خلال أنشطة متنوعة، للتذكير بأعماله والدور الذي لعبه، وكان الريحاني عصامياً كبيراً ترجم أشعار أبي العلاء المعري إلى اللغة الإنكليزية، ونشر قصائده عندما كان عمره 32 سنة، كما نشر كتاب (ريحانيات) باللغة العربية، صور الريحاني نفسه حلقة وصل بين الشرق والغرب، فقد كان من أوائل الذين جادلوا في إمكانية التعايش السلمي والتعاون بين العرب والغرب، رغم اختلاف الأديان واللغات والثقافات، نشر مجموعة معتبرة جداً من كتب الرحلات حول شبه الجزيرة العربية.

* المكتبة الرقمية العالمية:
قررت مكتبة الاسكندرية – وهي ثاني مكتبة في العالم – استمرار الشراكة مع مكتبة الكونغرس في مشروع (المكتبة الرقمية العالمية) الذي ترعاه منظمة (اليونسكو) وكذلك لغة الشبكات الموحدة (unl) الذي ترعاه الأمم المتحدة، ويهدف إلى الترجمة رقمياً من وإلى العربية بكل لغات العالم، كما أقر شراكة مكتبة الاسكندرية مع المجمع العلمي المصري، والتعاون المقترح بين المكتبة وجمعية المهندسين المصريين، وجمعية الاقتصادي السياسي والتشريع.
كما تقرر إتاحة أدوات البحث العلمي، بين المكتبتين للعلماء المصريين بالجامعات والمراكز البحثية، ومساندتهم في أبحاثهم، وخاصة طلبة الدراسات العليا، ومن أبرز الأدوات التي ستتيحها المكتبة (السوبركومبيوتر) الذي يُجري عمليات رياضية معقدة. و(الفستا) التي تجري الأبحاث العلمية بصورة افتراضية، وهو ما يخفض كثيراً من نفقات البحث العلمي.
هذا بالإضافة إلى مشروع آخر هو (التعاون المصري الأمريكي لرقمنة المخطوطات) والمشروع يهدف إلى تعريف المجتمع الغربي بالثقافة العربية والإسلامية التي قادت بالعلوم والآداب والفنون العالم في عصور سابقة، كما يُعد نقطة للتواصل والتكامل بين مختلف الثقافات والحضارات، موضحاً أن دار الكتب والوثائق المصرية ليست ملكاً لمصر وحدها، ولكن لكل من يقرأ اللغة العربية في كافة أرجاء العالم.

* حارس التراث الشرقي:
لقد تعززت الثقافة العربية والحضارة الإسلامية، وقفزت اللغة العربية قفزةً نوعية في مكتبة الكونغرس عندما دُعي رجل عربي متعدد الثقافات اسمه (جورج عطية) ليتولى رئاسة قسم الشرق الأدنى في مكتبة الكونغرس الأمريكية في واشنطن، فقبِل الدعوة، ولشغفه بالمخطوط والمطبوع من الفكر العربي والإسلامي أُطلق عليه اسم: «حارس التراث الشرقي في الكونغرس» فأدار هذا القسم، وهو خاص بالعالم العربي، وتركيا، وإيران، وأفغانستان، وآسيا الوسطى، ومناطق القوقاز، حيث بات المخزون العام للمطبوعات بلغاتها الأصلية ما يقارب من ربع مليون، فضلاً عن ثمانية آلاف مجلة وصحيفة، وهكذا حقق نجاحاً كبيراً في جمع مخطوطات ومطبوعات نادرة عمل على حفظها بالوسائل الحديثة.
وتركّز اهتمامه على ما قدمه المهاجرون الأوائل إلى الصحافة العربية في أمريكا بخاصة، وللحركة الأدبية الحديثة بعامة، وهناك كم هائل من المخطوطات والمطبوعات المهجرية لم تصل إلى المشرق، ولا عرفتها مكتبات الوطن العربي، ولا حتى المثقف العربي، فراح يجمع العديد من الصحف والمجلات الكبرى في المهجر من أمثال: الهدى، ومرآة الغرب، والنسر، والبيان، والسائح، والسمير، والعُصبة، والأخلاق والفنون، هذه الصحافة التي شارك فيها كبار الأدباء أمثال: الريحاني- الآنف الذكر- وجبران، ونعيمة، وإيليا أبو ماضي، وسواهم من أعضاء الرابطة القلمية، وعمل على تكوين ونشر فهارس موحدة للمواد الشرق أوسطية الموجودة في مكتبات الولايات المتحدة، وعمل جاداً على تنشيط التعاون بين مكتبة الكونغرس وكبريات المكتبات الوطنية في العالم العربي، ومن الأنشطة التي مارسها فيما سيخدم الأجيال العربية الناشئة، والباحثين العرب، هو إشراكه كبار الشعراء العرب في برنامج مكتبة الكونغرس المسمى: (أرشيف الأدب العالمي المسجل) وهو برنامج تُسجل فيه قراءات شعرية وأدبية لكبار الأدباء والشعراء بأصواتهم الحية، وتُحفظ للمستقبل، وقد تبقى مئات السنين مصدراً أولياً لدراسة الشعر والأدب عامة، ومن أجل الحوار بين قادة أهل الفكر والأدب في البلاد العربية، ومثلهم من المفكرين والأدباء الغربيين، فوضع برنامجاً ينظم العديد من المؤتمرات والمحاضرات والمناظرات والمعارض، غرضها تعزيز المزيد من الفهم والتفهم بين الشرق والغرب.

 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017