مقالات الباحثون
سور مدينة القدس وأبوابه.. إعداد: ياسر حامد الأحمد

 القدس زهرة المدائن، وغرة الأماكن، وأرض النبوات، وهي مدينة التاريخ وعاصمة الأديان.. وعاصمة بلد الأنبياء والمرسلين.. القدس مدينة الأقصى والصخرة والقيامة، مدينة الإسراء والمعراج والبراق.
فالقدس.. عروس عروبتنا.. ومحور نضالنا.. هي عنوان السلام والحرب.. وعلى صخورها تتكسر النصال. والقدس عربية بشهادة التاريخ.. وهي الأمل الباقي للعرب.
فالقدس ليست مجرد مدينة من المدن أو عاصمة من العواصم، وإنما هي مركز إشعاع يتفجر، بمعانٍ تاريخية ودينية وحضارية قلما توفرت في مدينة أخرى، فما أعظمها من مدينة على مر العصور.
ولا يكاد يخلو أي شبر من أرض القدس من المعالم الأثرية من مختلف عصور تاريخنا العربي تتمثل في: المساجد وفي طليعتها الأقصى ومسجد عمر وقبة الصخرة، والسبل والتكايا والخانقاوات والأروقة والمدارس ودور العلم.
ومن أهم ما يميز مدينة القدس السور الذي يحيط بالمدينة القديمة والذي ما يزال حتى أيامنا هذه محافظاً على أهميته الأثرية والتاريخية والمعمارية، حيث كانت الأسوار وسيلة من وسائل الحماية والدفاع عن المدن ولذلك نجد أن اليبوسيين منذ قيامهم بإنشاء مدينتهم قد سوّروا مدينتهم لحمايتها من الأعداء وصد أي هجوم ضدهم.
وبسبب الأهمية الكبيرة لموقع هذه المدينة التي قام اليبوسيون ببنائها، فإننا نجدهم يقومون بتحصين مدينتهم وبناء سور حولها من أجل صد غارات المعتدين. واليبوسيون هم من الكنعانيين الذين هاجروا من شبه الجزيرة العربية خلال الألف الثالث ق.م. وقد أُطلق على فلسطين قبل أن تعرف بهذا الاسم (أرض كنعان) نسبة إلى الكنعانيين. وفي وصف هؤلاء الكنعانيين يقول المؤرخ الفلسطيني عارف العارف: ((بأنهم قبائل عربية خرجت من شبه الجزيرة العربية خلال الألف الثالث ق. م، واتجهوا نحو بلاد الشام، وسُميت فلسطين في البداية بأرض كنعان نسبة إليهم. ومن الكنعانيين تحدَّر اليبوسيون الذين أنشؤوا مدينة القدس وأقاموا فيها)).
وأول من بنى سوراً حول مدينة القدس هم العرب اليبوسيون الذين قاموا أيضاً ببناء مدينة القدس، ولا صحة للقول بأن السور الأول من صنع داود، أو ولده سليمان، وإن ما قاما به هو ترميم الجزء الذي بناه اليبوسيون قبلهم، وأضافا بعض الأجزاء إليه. (1) وقد كشفت التنقيبات الأثرية التي قامت بها الباحثة الإنكليزية كاثلين م. كينون سنة 1961م في طبقات العصر البرونزي القديم على بقايا السور الأول الذي بناه اليبوسيون على جبل صهيون وأبرزت قسماً من أُسس الأبنية وتمديدات جرِّ المياه إلى الحصن من عين جيحون. (2)
وبُني السور الثاني بعد السبي البابلي في عهد نحميا (444 ق. م)، وقد اُتُبِع في إعادة الإنشاء نفس الخط الذي كان يسير عليه السور القديم الذي كان قد أقامه(منسى) ملك يهوذا سنة 644 ق. م في أثناء الحملة الآشورية في عهد آشور بانيبال ثم هُدم في عهد نبوخذ نصّر البابلي سنة 586 ق. م. وقد هدم بطليموس الأول قسماً منه سنة 300 ق. م ومن بعده أنطيوخس الرابع السلوقي سنة 168 ق. م. وفي عهد هيرودوس الكبير (37 - 4 ق. م) تمت تقويته دون أي تغيير.
وفي عهد هيرودوس أغريبا (41 - 44م) بنى اليهود سوراً في الجهة الشمالية غير أن الإمبراطور الروماني كلوديوس منعهم من متابعة العمل لكنهم أتموه قبل حصار تيطس لهم سنة 70م، وهذا هو السور الثالث. (3)
وقد تعرض السور للهدم والبناء مراراً، وتم ترميمه وتجديده عدة مرات عديدة. وقام السلطان صلاح الدين الأيوبي بإصلاح السور وترميمه عند قيامه بفتح مدينة القدس سنة 1187م. (4)
ففي سنة 587 هـ /1191م قام السلطان صلاح الدين الأيوبي بإعادة بناء سور القدس وتقويته وقد اشتغل هو وأولاده وأمراؤه وعماله في إعادة البناء، وتقويته، وتجديد أبراجه، بين باب العمود، وباب الخليل، وحفر الخنادق حول السور. واستمر الحكام الذين أتوا بعد صلاح الدين بتقوية السور إلى أن أصبح في غاية القوة والمنَعة. (5)
وفي سنة 616هـ /1219م أمر الملك المعظم - وقد خاف من احتلال الصليبيين لدمياط في مصر- فقام بتخريب أسوار مدينة القدس وكثير من مبانيها لأنه كان يشعر بعجزه عن المحافظة على المدينة، وخشي إن احتلها الصليبيون أن يستحكموا داخل أسوارها فيتعذر إخراجهم منها. ومع أسوار القدس خرب كثير من معالم المدينة، وخرج كثير من سكان القدس وامتلأت بهم الطرقات وتوجه بعضهم إلى الكرك وبعضهم إلى دمشق. (6)
أما السور الحالي فقد بُني ورمم معظمه في عهد السلطان العثماني سليمان الأول المعروف بالقانوني (926 - 974هـ /1520- 1566م)، حيث اهتم السلطان سليمان بمدينة القدس اهتماماً كبيراً وقام بأعمال عمرانية واسعة لا تزال تشهد على ذلك ولاسيما سور القدس حيث لا يزال اسمه منقوشاً في أماكن متعددة من السور وقلعتها وإصلاحاته في الحرم الشريف.
وكما مرّ معنا بأن أسوار القدس قد بُنيت ثم هُدمت عدة مرات وآخرها في عهد الملك المعظم، حيث أصبحت هذه الأسوار لا تقوى على حماية المدينة من المدافع. (7)
وكان لبناء هذا السور هدفان: حماية المدينة من الغزاة الأجانب وغارات البدو، واستمرّ بناء السور حوالي خمس سنوات (1536 - 1540م).
وطول السور حوالي أربعة كيلو مترات ومعدل ارتفاعه حوالي 12 متراً. وبلغ عدد أبراج السور في الوقت الحالي 34 برجاً وله سبعة أبواب. (8)
وللسلطان سليمان أيضاً برج اللقلق الواقع في زاوية السور الشمالية الشرقية قبالة متحف الآثار الفلسطيني، وبرج الكبريت القريب من باب المغاربة من جهة الجنوب، والأبراج الأخرى البارزة من السور والموزعة على مسافات اقتضاها محيط الأرض. (9)
وقد استُخدمت في بناء السور الأحجار الكلسية بأحجام مختلفة، ومن مداميك منظمة استعملت المونة الجيرية في عامتها مما أضفى على البناء قوة ومتانة. ولكن عامل الزمن دائماً بالمرصاد، ورغم أن المدة التي انقضت منذ الترميم العثماني الأخير للسور وتقدر بحوالي 470 سنة إلا أن السور مازال شامخاً يتحدى عوامل التلف والانهيار إلا في بعض المناطق التي تحتاج إلى الترميم والإصلاح للمحافظة على هذا الأثر التاريخي العظيم. (10)
وعندما زار المدينة مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي في سنة 1731م، وصف أبوابها في كتابه المخطوط ((موانح الأنس برحلتي لوادي القدس)) قائلاً: ((للمدينة سور محكم البنيان، بديع الشكل في الصناعة والإتقان، له ستة أبواب منيعة غريبة في الوضع بديعة)).
وسرد أبياتاً من الشعر في وصف بوابات القدس جاء فيها:
أسبـاط ساهـرة عامـود ثالثـها         بـاب الخليـل وداود مغـاربــه
وكانت هذه الأبواب تغلق يوم الجمعة في موعد الصلاة حتى لا يستولي عليها الصليبيون كما كان لهذه الأبواب حراس نظاميون يتناوبون الحراسة كل ساعة. (11)
وأبواب القدس السبعة التي ما زالت مستعملة هي:

1- باب العمود:
ويُعرف في التاريخ باسم باب دمشق لأنه مخرج القوافل إليها، وباب النصر أيضاً ويسميه الغربيون باب (استيفن)، وهو يعتبر من أبواب القدس الرئيسة وهو المنفذ الرئيس لها. ويعود تاريخه إلى عهد السلطان سليمان القانوني العثماني الذي قام بتجديده وإعادة بنائه سنة 944هـ 1537/-1538م. ويتكون هذا الباب من مدخل، وقوس مستديرة يقوم فوقه برج حجري صغير محمول على كابلين حجريين، وقد تم نقش اسم السلطان وألقابه وسنة تجديد الباب بين العقد والمدخل. ويغطي فتحة المدخل مصراعان من الخشب المصفح بالنحاس. (12)
أما سبب تسميته باسم باب العمود فقد بيّنت الحفريات التي جرت سنة 1936م وجود بابين يعود أحدهما إلى زمن الإمبراطور هادريانوس وأُضيف داخل أحدهما عمود، وبقي هذا العمود حتى الفتح الإسلامي، ولذلك سمّى العرب الباب باب العمود وكان يُدعى من قَبل كما ذكرنا باب دمشق لأن القوافل تخرج إليها منه. (13)
2- باب الساهرة:
 يُطلق عليه الغربيون باب هيرودوس، وباب مدلين، وهو مثل باب العمود يقع في الجانب الشمالي من سور القدس على بُعد نصف كيلو متر شرقي باب العمود. وقد تم إعادة إعمار هذا الباب في عهد السلطان العثماني أيضاً سنة 944هـ/1537-1538م. (14)
3 ـ باب الأسباط:
يقع في الحائط الشرقي، وهو مثل الساهرة من حيث الشكل، ويعود تاريخه أيضاً إلى عهد السلطان سليمان القانوني الذي قام بترميمه سنة 945 هـ / 1538- 1539م. (15)
يُطلق عليه اسم باب السباع، كما يُطلق عليه أيضاً باب ستي مريم، وكان اليهود يسمونه قديماً باب ((يهوشافاط)) لأنه يطل على وادٍ مسمّى بهذا الاسم. (16)
ويتألف هذا الباب من مدخل عالٍ كبير، وعقد حجري مدبب، وبينهما نجد تاريخ ترميم الباب واسم السلطان سليمان القانوني، وقد كتب النقش باللغة العربية. كما نجد نقشاً آخر باللغة التركية، يبيّن اسم السلطان وتاريخ الترميم واسم مشرف البناء وهو المرحوم الحاج حسن آغا.
ويقوم فوق العقد برج صغير على أربعة كوابل حجرية، وله سقاطة لصب الزيت المغلي على الأعداء ومزغل لرمي السهام. (17)
4- باب الخليل:
يطلق عليه الغربيون اسم باب يافا، وفي القدس كان يسمى باب إبراهيم، ويقع في الحائط الغربي. وقد تم إعادة إعمار هذا الباب وتجديده في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني سنة 945هـ/ 1538-1539م. (18)
 5- باب النبي داود:
يُسمى باب صهيون من قبل الغربيين، وهو يقع في الحائط الجنوبي وقد جُدِّد في سنة 974هـ /1540-1541م، في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني عندما أعاد بناء سور مدينة القدس. (19)
ويتكون هذا الباب من مدخل كبير، وعقد حجري مدبب، وفوقه برج حجري صغير محمول على (كابلين) حجريَين، ونشاهد اسم السلطان وسنة البناء منقوشة على حجر رخامي. ومن خلال هذا الباب تظهر آثار العمارة العسكرية من حيث الضخامة والارتفاع، والبرج الحجري الذي كان يستعمل من أجل المراقبة ورمي السهام وصب الزيت على الذين يحاولون الاقتراب من الأعداء. (20)
 6- باب المغاربة:
يقع هذا الباب في الحائط الجنوبي لسور القدس، ويسمى أيضاً الباب الصغير لصغر حجمه نسبياً، ويطلق عليه الغربيون اسم باب المغارة، ومن الآثاريين من يزعم إنه باب القمامة القديم، ولكن على الأرجح أن باب القمامة يقع إلى الجنوب أكثر من ذلك، ومن هذا الباب كانت تخرج جنازات الموتى لتدفن في جبل الزيتون. (21)
وقد تم إعادة إعمار هذا الباب وتجديده من جديد في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني سنة 947هـ/1540م.
7- الباب الجديد:
يسمى أيضاً باب عبد الحميد لأن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني هو الذي قام بافتتاحه سنة 1898م وقد توافق افتتاحه مع زيارة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني لمدينة القدس.
ويقع هذا الباب غربي باب العمود على مسافة كيلو متر تقريباً، وهو يُعد من أحدث أبواب القدس عُمراً.
وبالإضافة إلى هذه الأبواب السبعة يوجد أربعة أبواب مغلقة. (22)
وأبرز الأبواب الأربعة المغلقة: هي الباب الذهبي أو باب الرحمة ويقع في الجدار الشرقي للحرم الشريف جنوب باب الأسباط عمارته البيزنطية الباسقة ذات القباب المتماثلة من بناء الإمبراطورة يوديسيا في القرن الخامس الميلادي.
أُغلق الباب الذهبي سنة 1530م، ويقال إنه في يوم الحساب يدخل المؤمنون الصالحون من جانبه الأيمن المسمّى ((باب الرحمة))، بينما يمرّ الكفار من جانبه الأيسر المسمى ((باب الكفارة)) أو ((باب التوبة)). (23)
وبذلك نجد إنه بسبب الأهمية الكبيرة لموقع مدينة القدس فإن بُناتها الأوائل وهم العرب اليبوسيون قاموا ببناء أول سور يحيط بها من أجل حمايتها والدفاع عنها ضد هجمات الأعداء.
وعندما كان يأتي أيّ محتل فيما بعد على تلك المدينة فقد كان يقوم بتحصينها وترميم السور وبناء الأبراج لأن هذا السور يكون بمثابة العامل الكبير في الدفاع عن المدينة وحمايتها ضد هجمات الأعداء.



مراجع البحث
 ـ أحمد عباس ـ القدس الدامية ـ مطابع شركة الإعلانات الشرقية دون ذكر تاريخ الطبع ـ ص30
2 ـ يحيى الفرحان ـ قضية مدينة القدس ـ سلسلة المدن الفلسطينية (6) تصدر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ ص19
3 ـ د. أحمد سوسة ـ مفصل العرب واليهود في التاريخ ـ دار الحرية للطباعة ـ بغداد ـ ط 5 ـ 1981 م ـ ص 733 ـ 734
4 ـ د ـ خيرية قاسمية ـ قضية القدس ـ دار القدس بيروت ـ لبنان ـ 1979 م ـ ص11
5 ـ رائف يوسف نجم وآخرون ـ كنوز القدس ـ ط 1 ـ 1403 هـ / 1983 م ـ ص25
6 ـ الموسوعة الفلسطينية ـ مجموعة باحثين ـ القسم الثاني الدراسات الخاصة ـ 1990 م ـ المجلد السادس ـ مرجع سابق ـ ص 816
7 ـ محمود العابدي ـ الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن ـ جمعية عمال المطابع التعاونية ـ عمّان 1973م ـ ص113
8 ـ القدس في التاريخ ـ أبحاث لعدة باحثين منهم: د. عبد العزيز الدوري ود. مصطفى الحياري ـ حرّر وترجم الطبعة الإنجليزية د. كامل جميل العسلي ـ مطبعة الجامعة الأردنية ـ عمّان 1413 هـ /1992م. ص 233
9 ـ يحيى الفرحان ـ مرجع سابق ـ ص86     
10 ـ رائف يوسف نجم وآخرون ـ ص32
11 ـ مجلة الفيصل ـ مجلة ثقافية شهرية تصدر في المملكة العربية السعودية ـ العدد 203 ـ 1413 هـ / 1996م ـ ص 76
12 ـ رائف يوسف نجم وآخرون ـ ص 344     
13 ـ مجلة العربي مجلة ثقافية شهرية تصدر عن وزارة الإعلام بدولة الكويت العدد 518 كانون ثاني / يناير 2002 ـ ص 50
14 ـ الموسوعة الفلسطينية ـ إصدار هيئة الموسوعة الفلسطينية ـ دمشق 1984 م ـ المجلد الثالث ص 518
15 ـ يحيى الفرحان ـ مرجع سابق ـ ص 35         
16 ـ د ـ حسن ظاظا ـ القدس ـ كتاب صدر مع مجلة الفيصل العدد 232 ـ 1416 هـ / 1996 م. ص37
17 ـ رائف يوسف نجم وآخرون ـ ص 352     
18 ـ الموسوعة الفلسطينية ـ دمشق 1984 م ـ المجلد الثالث ـ مرجع سابق ص 518
19 ـ محمد حسن شرّاب ـ بيت المقدس والمسجد الأقصى ـ دار القلم دمشق ـ الدار الشامية بيروت ـ ط 1 ـ 1415 هـ / 1994م. ص 37
20 ـ رائف يوسف نجم وآخرون. ص 346 ـ 347
21 ـ د ـ حسن ظاظا ـ مرجع سابق ـ ص 37
22 ـ مجلة الفيصل ـ العدد 203 1413 هـ / 1996م. مرجع سابق ص 76
23 ـ د ـ يوسف شوقي ـ قبة الصخرة ـ وزارة الإعلام سلطنة عُمان ـ مطبعة مزون مسقط 1987م ـ ملاحظة لا يوجد ترقيم لصفحات الكتاب.
 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017