مقالات الباحثون
الأبنية الدينية في مدينة دورا أروبوس.. إعداد: وفاء الجوابرة

تعتبر مدينة دورا أروبوس مدينة كلاسيكية نموذجية أسسها السلوقيون على نهر الفرات ثم دخلت في فلك الإمبراطورية البارثية ومن بعدها الإمبراطورية الرومانية إلى أن هاجمها الساسانيون ودمروها وهجّروا أهلها بعد مرور ما يقارب خمسة قرون على تأسيسها.
اعتمد في تخطيطها المخطَّط الشطرنجي الذي يقوم على مبدأ تقاطع الشوارع بحيث تحصر بينها مجموعة من الجزر وضمن هذه الجزر تقع كافة المباني المدنية والعسكرية والدينية موضوع البحث.
فأهم ما يلفت النظر في دورا أروبوس هو كثرة أبنيتها الدينية, والتي تمثل كافة الديانات الوثنية, والديانات التوحيدية, فقد تم الكشف عن ستة عشر معبداً كرست لآلهة متنوعة مثل زيوس ماجستوس Zeus Megistos- زيوس ثيوسZeus Theos- زيوس كريوس kryriosZeus -عفلد- Aphlad أتارغاتيس Atargatis- أرتميس ناناياArtemis-Nanaia  - أزاناثكوناAzzanathkonna - بل Bell (معبد الآلهة التدمرية) ميثراMithra دولشينوس أو جوبتير -Jupter, وكنيس يهودي وكنيسة بيتيه (الشكل1)، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على قدم المدينة, وما سكنها من أقوام وشعوب وجدوا في دورا التسامح الديني والتعايش السلمي.
وعلى الرغم من تخطيط المدينة وتأسيسها على النمط الهلنستي واحتلالها من قبل البارثيين ثم الرومان, فقد حافظت هذه المباني على نمط مخططها المشرقي والذي يشبه لحد كبير مخطط المعبد البابلي, والذي يتألف بشكلٍ عام من باحة سماوية تحيط بها أسوار مستطيلة الشكل وأحياناً ذات شكل شبه منحرف, ومن هيكل يتألف من غرفة أمامية وغرفة المذبح أو قدس الأقداس, وعدد من الغرف الأخرى التي خصصت للكهنة ورجال الدين.

1- معابد دورا أروبوس:
بشكل عام وجد خلال العصرين الهلنستي والروماني نمطان متعارضان من المعابد:
النمط الأول: وهو منتظم وهندسي الشكل.
النمط الثاني: يتميز عن النمط الأول بشكله الأقل تنظيماً فيمكن أ ن يبدو كتجمع سقيم حيناً ومتكدس حيناً آخر.. وبين هذين النمطين توجد سلسلة كاملة من الأشكال الانتقالية.
أما بالنسبة لمعابد دورا أروبوس فهذه المدينة التي نعرف بشكل جيد تنظيمها تسمح بدراسة تداخل وارتباط أماكن العبادة الكثيرة والمختلفة مع النسيج المدني وبالتالي نجد في مدينة دورا مخططات المعابد الأقل تنظيماً.
 ولا تشغل المعابد فيها موقعاً مميزاً بل تندرج ضمن المخطط الربيعي المدني وتخضع له.
ونلاحظ أن المعابد في المدينة تتخذ مخطط الوحدات السكنية نفسه, حيث يتخذ معظمها موقعه في وسط هذه الوحدات, باستثناء معبد أرتميس نانايا الذي بني على كامل الجزيرة (الشكل رقم 2) وفي حين تتوضع معابد أخرى في الأماكن التي ظلّت خالية إلى جوار السور, وقد أحيطت هذه المعابد بجدران تخفيها عن المارة.
وينتسب تنظيم المعبد نفسه بدرجة كبيرة لنموذجية مسكن منظم حول فناء مع غرف ملتصقة بجدار السور من عدة جهات.
ويتبع نمو واتساع المعابد التطور نفسه الذي يتبعه نمو وتطور المساكن وذلك على حساب هذه المساكن, بحيث لا يتم هدم المعبد وبناء معبد آخر ولكن يتم إضافة عدة مصال وقاعات لتوسيع المعبد. وينتج عن ذلك أن الغرف في غالب الأحيان لا تكون مرتبة بوضوح بحسب أهميتها.
وفي حالات كثيرة لا يتميز أي بناء بموقعه في المعبد, فغالباً ما كان ممكناً لعدة غرف ذات أبعاد متساوية أن تكون قد لعبت دور الهيكل.

فهل تحتفظ معابد دورا بصفة خاصة تميزها عن المساكن؟

إن مخططاً أولياً لتنظيم الحيز المكاني يتكرر في معابد كثيرة, فلمعظم هياكل دورا بابها المتجه نحو الشرق, وهو اتجاه متوافق مع ميل واسع الانتشار في الشرق الأدنى كما وفي العالم اليوناني- الروماني.
وفي الوقت نفسه يحفظ هذا التوجيه خط التربيع الأصلي لتأسيس المدينة, أما استثناءات هذه القاعدة فيمكن تفسيرها ببساطة بنقص في المساحة كما في معبد أدونيسAdonis. إذ إن مخطط هذا المعبد لا يخضع لقواعد خاصة بهذه العبادة المستوردة والتي قد تفسر أيضاً خصوصيات أخرى.
كانت مداخل معابد دورا تقع في الناحية الشرقية, ولكن بشكل أقل منهجية لأن وضعية المعبد بالنسبة للطريق تمنع ذلك أحياناً.
وبذلك فإن المذبح الرئيسي المقام أمام الهيكل يكون موجوداً بين باب الهيكل وباب المعبد.
هكذا ترتسم بداية تنظيم الحيّز المكاني حيث يتوضع على محور واحد مدخل المعبد والمذبح والهيكل. غير أن هذا الميل لا يبلغ حد بناء هندسي دقيق.
وعلى الرغم من أن تنظيمها المدني محكوم بمخطط هليني تربيعي فقد حافظت دورا أوروبوس على نمط المعبد الأكثر بعداً عن النموذج اليوناني الروماني الذي لم يستعر منه سوى عدد محدود من عناصر المخطط أو الزخرفة وقد ظل مستغرقاً "تقليد شعائري ومعماري" يرجع إلى بلاد الرافدين.

- الكنيسSynagogue: (الشكل رقم 3)
يقع في مركز الجزيرة L7 (الشكل رقم 4), وراء الجدار الغربي للجزيرة.
كان في الأصل بيتاً عادياً ثم حُول إلى كنيس عام 245م واستخدم مخطط البيت نفسه والذي يحد شارع السور الغربي, ويحده من الشرق والجنوب والشمال عددٍٍِِ من البيوت, وقد كان بشكل عام يتجه نحو الشرق. وقد شهد ثلاث مراحل من البناء, ويتألف في مرحلته النهائية من ثلاث وحدات رئيسة وهي: الغرفة الرئيسة والساحة ومجموعة من الغرف المحيطة بها(الشكل رقم 5), وقد أحيطت الغرفة بالمقاعد, ونلاحظ هنا عزل النساء عن الرجال فقد كان للنساء مدخل خاص ومقاعد خاصة تميزت عن مقاعد الرجال بعدم وجود حافة لوضع الأقدام, وقد زُودت الغرفة بنافذتين للإضاءة والتهوية. وأهم ما يميّز الكنيس رسومه الجدارية التي غطت جدرانه, وهذه الرسومات ذات طابع محلي مشرقي, وقد أعطت الكنيس شهرةً كبيرةً, وهي الآن محفوظة في متحف دمشق(الصورة رقم1).

- البيت المسيحي: (الصورة رقم2)
يقع هذا البيت في الجزيرة M8, وهو بيت عادي يتألف من ست غرف منظمة حول ساحة مركزية (الشكل رقم6). ويحظى بأهمية تميّزه عن غيره من البيوت الأخرى نظراً للأهمية الدينية التي تمتع بها, وقد أخذ هذا الاسم لأنه يتعلق بشعائر دينية خاصة بالديانة المسيحية, وهو مصلى مسيحي وليس كنيسة بمعنى الكلمة, حيث خصصت غرفة من هذا البيت لممارسة الاحتياجات والشعائر الدينية الخاصة بهم فأثناء القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد منع تشهير الديانة المسيحية, وتحمّل المسيحيون الكثير من الاضطهاد, واضطروا لممارسة شعائرهم الدينية بالخفية. الأمر الذي يفسر الصفة السرية التي أخذها هذا المصلى الذي يعتبر الأقدم في العالم والمشهور برسومه في غرفة المعمودية (الصورة رقم3).




المصادر والمراجع:
- دنتزر, ج.م : 1996, المعبد السوري، ترجمة: موسى خوري، دار الأبجدية, دمشق.
- فرايبرجر, ك: 2002 "المباني الدينية في دورا أوروبوس", الجزيرة السورية التراث الحضاري والصلات المتبادلة، المديرية العامة للآثار والمتاحف, دمشق.
- لوريش, بيير: 2004 "الظاهرة العمرانية في سورية الهلنستية", المدينة في سورية وأقاليمها, ترجمة محمد الدبيات, دمشق.

-DENTZER. J. M., 1989, "Le Sanctuaire Syrien"Archeologie et Histoire de la Syrie, II- Saarbruiken.

-GELIN, M, 2000,Histoire et Urbanisme d une Ville Atravers son Architecture de Brique Crue ,L exemple De Doura- Europos, Thèse، université De Paris.
- HOPKINS. C., 1936 a, "The Private Houses in Block M8", The Excavations at Dura – Europos
-PEARSON. H., 1936 b, "The Synagogue", The Excavation at Dura-Europos, New haven.





 

 
 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017