افتتاحية الباحثون
ساقية جارية..بقلم: د.نبيل طعمة

ولا نهر مقطوع، مثال ضربه ذلك الإنسان القديم، الذي مدّ بصره ليس فقط للّحظة التي نحن نحياها؛ وإنما تطلّع إلى ما سيأتي من المستقبل البشري الإنساني، حيث خصَّ به الإنسانية العاقلة المترفِّعة عن لغة الآن وليس غداً، والمتمتعة ببصيرة المسير، المدركة أن السراب سراب لا يمكن أن يكمن فيه الماء، وأيضاً تؤمن بأن الخطّين المتوازيين لا يلتقيان إلا نظرياً على مسارات الأهداف الذاهبين إليها والتي تكمن بينهما، مؤمنين علمياً أنها لا تلتقي، إنما إذا انقطع النهر وجفّت مياهه، ورُدمت الهوة بين ضفتيه، ويبس حوله كل شيء، يلتقي خطّاه، ومن ثم يتحولان إلى ذاكرة مؤلمة تدعو للرحيل، ونسيان ذلك الخير الذي مرَّ به والعيش على أطلاله.
السواقي تحفر مساراتها بهدوء، حينما تتجمَّع تنجز نهراً، وإذا تفرَّدت يجب الحفاظ عليها، بكونها تمنح قناعة للحياة المادية؛ التي تجسِّد الإغراء الحيوي للأفعال البشرية، فهي تتشابه مع نموِّ الإنسان الهادئ والساعي لإثبات وجوده، وإنجاز رسالته التي وُجد من أجلها، فعلمه وعمله وتجواله وخيره يرافق مسيرته، فإن دلّت فهي دالّة الحياة الطيبة، والذي يحافظ عليها وله منها صورة جميلة، ومقام رفيع، هي ضمن الجسد الإنساني تتجول بين أجزائه وأشلائه، لا تدع نقطة صغيرة أو كبيرة إلاّ وتمرُّ من خلالها تلك السواقي القادمة من منبع القلب؛ الذي يضخها ضمن ركن منطقي مقياسه النبضة المتجمِّعة ما بين السبعين والثمانين في الدقيقة الواحدة، نحكم عليه بأنه طبيعي ومنطقي، عليه تكون مبعثاً للحياة الطبيعية الهادئة، تنقش مساراتها بهدوء نوعي، مؤمنة بأنها ستصل إلى النهاية بأمان القادر المقتدر الكائن المكوِّن، لتلتقي مع الأزلي المقدِّر لرحلة البداية والنهاية، أي: قدرة النبع الباحث ضمن غاية الوصول إلى المصبّ، وأقصد النزول إلى الأعماق من الأعلى بعد امتلاك وحصول حالة الارتقاء، وهي الصعود إلى القمة والنزول عنها. كم نحتاج إلى ذلك العصيان المتجلّي في العاصي، نعم.. السير في عكس الاتجاه، وكم سنواجه من الصعوبات، والتحديات، والضغوط نتاج التعاكس والتضاد، ألا يظهر الضدّ حسنه الضدّ ؟ من ذاك المثل نؤسس معنى الصخب؛ الذي يصمُّ الآذان والهدوء الذي يحفر مجراه، فذاك سيل جارف يهدم السدود ويستبيح الشطآن والحدود، والآخر سواقي تنساب تشق الأخدود، تسير بهدوء تنجب الحياة بلا ضجيج، وتفعل بها فعل البنّاء، والرسّام والمقاتل العتيد.
الحاجة ماسة لوجود السواقي، فهي شرايين الحياة الدقيقة، ودون وجودها لا يمكن الوصول إلى النقاط الجافة، أو الصائمة القابلة للحياة وتحتاج الإفطار، كما العقل فإن لم تصله سواقي الدماء الدقيقة لا يعطي الأمر للحواس السبع بالعمل، والاجتهاد، وخلق الإبداع والحركة والمسير، ومهما بلغت قوة الأنهار فمن الضرورة أن تتفرع منها السواقي والجداول، كي تصل إلى مصابِّها، تتشابه مع شرايين الإنسان المنتشرة في جسده، فإذا لم تصل ماتت أجزاء كثيرة منه، ما يؤدي إلى شلله رغم التدفق الكبير القادم من قلبه .  
ساقية جارية، تجسِّد القناعة الإنسانية والعلمية لمفهوم أسباب الوجود الإنساني، تقف أمام الجشع والطمع واللاشرعية، والهيمنة والتسلط، وعدم الاعتراف بالآخر، فإذا امتلك الإنسان جوهر معانيها وفلسفة تكوينها، ظهر منه طموح الروح التي تسعى للخلود في الأثر لا في الجسد، فالساقية تبقى وتحفر أخاديدها، تحمل إنجازات إنسانها بهدوء وأناة، والغاية إيصالها إلى مبتغاها، القصد أن لا تقوم بقطع الشرايين، أي: السواقي والعروق المغذية لمنهج الحياة الإيجابي؛ وإلا سنتحول إلى بشرٍ سلبي ينتهك الحرمات والمقدَّسات، ويتطاول على المحظورات .  

 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017