آخر المقالات
التربية أولاً .. بقلم: د. نبيل طعمة

الإشكال في العملية التربوية أن التربية موجودة دائماً، ضمن ذهنية الكائنات الحية وبشكل خاص الإنسان، فالكل من الأجناس الحية الأخرى يربّى فردياً على ما نشأ عليه، وعلاقته دائماً بفرديته المطلقة، بكونه يعمل بمفاهيم الإحساس لا بمفاهيم العقل، والإنسان يحتاج للتربية كحق لا كحاجة، إلا أن هناك من يصر على أن يربّي شيطاناً من أجل استثماره في الشر، وهناك من يربّي علماً أو عالِماً أو إنساناً عادياً يعتاد الحياة، بحسب الظروف والفرص المتاحة، وأقصد المادية والفكرية، وهناك من ينتج باحثين يهذبون الحياة الإنسانية، وغايتهم استنباط جمالها والحفاظ عليه؛ لا بل أكثر من ذلك زيادة عناصر الجمال البصرية!!..

توحيد المفاهيم
نتجه في سياق حديثنا إلى العملية التربوية بغاية توحيد مفاهيمها، بحيث يكون هناك بنود لعملية تربوية نوعية واستراتيجية؛ فعلى الرغم من أهمية التربية الفردية الأسرية إلا أن هناك انفصالاً ما بينها وبين المدرسة، وكذلك أيضاً بينهما وبين المجتمع.. فكيف بنا نضمُّ هذا المثلث إلى بعضه، وإظهاره كهرم منتج بالعلمية والعملية، ولنؤسس ونحن نتابع ما نصوِّب إليه أسئلة نقول فيها: هل يوجد في المجتمع ثقافة تربوية اجتماعية نوعية؟!.. ، وماذا تعني أسس المعرفة لنا، والفرق بين العلمية والتعلم، ونظرية التعليم العام والعلم للجميع، إلى أين وصل المجتمع العربي بعد ما يقرب من خمسين عاماً ونيّف على استقلاله من براثن الاستعمار القديم، وهل ما زال تحت سيطرة الاستعمار الجديد، وهل نجرؤ على الاعتراف أننا لم نستطع حتى اللحظة أن نؤسس لمنهج تربوي علمي حقيقي، يرى الماضي ويبني في الحاضر، ويخطط للمستقبل المنشود الدائم في الوصول إليه؟؟؟
لقد انكشف الشارع العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص انكشافاً خطيراً، وظهر المشروع التربوي بلا ثقافة، فالثقافة مع التربية ما هي إلا عبارة عن بناء قِشري ركيك ومركب بلا روابط، أي إنه من هنا وهناك..
ومنه نجد أن ما حدث تحت ما يسمى بالثورات؛ ما هو إلا عمليات مقادة دون وعي، والتربية وعي أخلاقي ضمن مفاهيم الثقافة البناءة؛ التي تحاور الآخر وتتقبّله بمحبة لا بضغينة، فنحن  عندما نتنادى جميعنا من أجل استحضار المشاهد الحضارية من تاريخنا، ونستذكر من بنى أوغاريت، ورأس شمرا، والمعابد، والكنائس، والمساجد، من هدد إلى جوبيتر إلى يوحنا المعمدان إلى المسجد الأموي إلى الأهرامات... إلخ.. نُجري مقاربات عن تلك العمليات التربوية التي أنشأت جماليات استراتيجية نوعية، وحّدت من لغتها البصرية مشهد وجودنا في ذلك الزمن، وأيضاً في هذا الزمان الذي يتطلع إليه العالم بأسره؛ دون أن نخوض غمار أسباب حضورها!!..
نبدأ دائماً لنؤكد أن إنسانية الإنسان هي المنطلق والمبتدأ، ومنها نؤسس علاقات محبة وشراكة ونوعية، فمهما اختلفنا واختلفت رؤانا ومناطقنا وجغرافيتنا تبقى إنسانية الإنسان هي الأهم التي تتوالد منها محبتنا لبعضنا..
هل عدنا إلى عصر الظلمات؟
نعود إلى عنواننا "التربية أولاً" وجميعنا مربّون ومربيات؛ التربية التي نتحدّث عنها تتجلى الآن في هذه اللحظة من خلال مقتضيات المصلحة الوطنية والظروف الصعبة التي تعيشها عوالمنا العربية! إلا أن الأمل في إنسانية الإنسان هي التي تعيدنا لبعضنا وتعيد لقاءنا والتقاءنا، وتعيد رسم تلك الصورة الجميلة النوعية التي لم تُخلق إلا لتعلّم العالم أجمع.. وإذا ما استعرضنا تاريخنا العظيم عميقاً من آشور وكلدان وأكاد وفينيقيا وكنعان..إلخ، ذلك التاريخ الذي أسّس لحضور شخصية استثنائية بين الأمم.. ذلك التاريخ الذي مهر في علوم التربية الإنسانية والقانونية والسياسية والاقتصادية وبشكل خاص في علوم تربية الجمال، وبدون كل ذلك لمَا كنّا؛ وطالما أن أية أمة تريد أن تنطلق إلى الحضور وتثبت حضورها، عليها أن تتربى جمالياً، وبعد أن أضعنا تلك المفاهيم البناءة في بنائنا نجد أنفسنا الآن وكأنّ بنا نحيا عصور الظلمات، تبعاً لما يجري ويحدث لهذه الشخصية العربية!!.. نسأل: أين نحن من ذلك التاريخ العميق المسكون بين بغداد أبرام، ودمشق بولس، والقدس عيسى، وطيبة مصر (القاهرة) موسى، ومكة محمد.. أين نحن من تاريخ أور. أبرام. أبراهام. إبراهيم الخليل؛ الذي وُلد جنوب بغداد في أعظم رسالة تاريخية سكنت العقل البشري أجمع؟!.. وكأنّ كلاً أخذ ذلك التاريخ على هواه، لكنه بقي ذاكرة إنسانية لا تُنسى ولا تُمحى.. وأين نحن من بولس الرسول الذي حمل رسالة المحبة والسلام إلى العالم أجمع ناشراً تلك المسيحية المحببة؟!.. وأين نحن من زيارة الرسول العربي عليه الصلاة والسلام إلى الشام؟!..
صحيح أن الديانات انتشرت من بغداد، وتاهت في سيناء، وولدت في بيت لحم وظهرت في مكة، إلا إنه لولا دمشق لما كان لها انتشار، ولما كان هناك حضور لمفهوم الديانات، ولما كان لهذه الرؤى السمحة المحببة التي أسّست لتاريخ إنساني عظيم أن تكون؛ وصحيح أن أبرام أبراهام إبراهيم ولد في أور سومر؛ لكنه أتى إلى الشام أيضاً ليبني سورها.. الثقافات التي بُنيت في ذلك العصر، الحضارات التي تُركت لنا ويشار إلى عَظَمة ذلك الإنسان التاريخي من خلالها؛ أين نحن الآن من ذلك؟ ونحن في عصرٍ تداعت الأمم فيه علينا، وعصر تصارعنا مع بعضنا من أجل تكويننا ووجودنا، من أجل بقائنا، من أجل انتقالنا للأفضل لا العودة إلى الوراء؟!..
مصارحات
لماذا كان اختيار عنوان كـ"التربية أولا"؟.. أليس من أجل أن نعلم أين نقف كأمة عربية سورية بين عوالم عالمنا العربي؟ دعونا نَقُم بعملية مصارحة إذن، ونفتح الحوار حول العملية التربوية من ألفها إلى يائها: أين نحن من تلك الثقافة التربوية التاريخية؟..روحياً وعلمياً بواقعية عملية من أجل التقدم إلى الأمام؟.
إن علم الجمال هو علم تربوي وأخلاقي وتكويني في آن واحد؛ فكيف بنا الآن لا نرى جمال بعضنا، ولا نرتقي ونسمو بتلك الأوابد والحضارات، وبما أنجبه أجدادنا من حاضرنا، كي نؤسّس ثقافة نوعية جديدة تفعّل الشخصية العربية، وتفعّل الشخصية القومية وتفعّل الشخصية الروحية، وأهم من هذا وذاك تفعّل الشخصية الإنسانية بشكل خاص..
الاحتلالات التي مرت في تاريخ الجغرافيا العربية الإسلامية، والجغرافيا العربية التاريخية؛ يوضح بعضها بأن دمشق ما قبل الإسلام، والشام ما بعد الإسلام، والحاضرتان اتّحدتا كشكل مادي ولا مادي، أي أنه كان من الضرورة ولادةُ هذه التناغمات من أجل حضور هذه الشخصية، فالإنسان لا يمكن له أن يعيش بلا قلب، بالمقابل لا يمكن له أن يعيش بلا عقل!! وهذه التوءمة تقودنا أيضاً إلى مفهوم عُمِّم عالمياً هو مفهوم العلمانية، والذي يختلط على الكثير منّا مفهومه، وبالمقابل لم تُقدَّم طروحات نوعية ومبسّطة كي تستوعبه إنسانيتنا، فنغدو مع الآخر في وحدة تكامل لا في حالة انفصال!!.
هوّة بين النخبة وقاع المجتمع
أنتقل في المصارحة إلى زمن قيام الدولة العربية الحديثة، أي منذ الثورة العربية الكبرى التي رُفعت رايتها في دمشق وحتى الآن، ومرورنا بالاستعمار الفرنسي، ومن ثم الآليات التي مرّت على هذا القطر، وهذا يُعمَّم على كامل الوطن العربي في شكله ومضمونه.. الرجالات التي قادت الاستقلال وقادت الثورات، الثورة السورية الكبرى والانتقال إلى الاستقلال وإنجازه، بل في اعتقادي أنها أنجزت الجلاء!!.. فالاستقلال هو بناء تربوي اجتماعي فكري، وهو في شكله النهائي استقلال فكري ومادي يلغي التبعية بكل أشكالها.. نسأل: ماذا قدم أولئك الرجال؟!.. فمع اعترافنا بالفضل الكبير لهم، إلا أنهم حافظوا على نخبوية نوعية لم يستطيعوا أن يعمّموها على السواد الأعظم من الشعب العربي عامة والسوري خاصة، لتبقى آثارهم حتى اللحظة مستمرة ضمن النخبوية الثقافية، ونخبوية المثقفين، ونخبوية الفكر، ونخبوية المفكرين، ونخبوية الساسة لا غير!! أي إن هناك هوّة كبرى بين كل هؤلاء النخبويين والمجتمع، وبين العلم والتربية، بين التربية والتعليم، بين الآباء والأبناء، بين المعلمين والتلاميذ، أي بين الدولة والمجتمع، وحتى اللحظة لم نشهد ردم هذه الهوة، فمازالت هناك فوارق كبرى بين الأسرة والشارع، الأسرة والقائمين على موضوع التربية في الدولة، أي: هناك فواصل بين الوزارات المختصة بعملية التربية والتعليم والمعرفة!!. ليحصل ما يحصل بين الفينة والأخرى من أزمات؛ تتلاشى من جرائها الكثير من القوى المادية واللامادية، لعدم تقدير قيمة تلك البنى.
وعلى الرغم من أنه كثيراً ما يُشدَّد ويُتابَع ويُدعَى إلى ربط الأسرة بالمجتمع بالعملية التربوية، إلا أننا حتى اللحظة لم نستطع إيجاد هذه الرابطة؛ فالحلقات لا تزال منفصلة، وما أُنجز بعد الجلاء: أن نشأت وزارة أطلق عليها وزارة المعارف واستمرت هذه الوزارة حتى الستينات، ومن ثم انتقلت إلى وزارة التربية والتعليم حتى نهاية السبعينات، وانتقلت من وزارة التربية والتعليم إلى التربية، أي أننا في المصارحة بدأنا بشكل عكسي، وها نحن نحصد اليوم ما يحدث!!..لأن الفكرة الأولى تعني التربية ومن ثم التعليم وبعدها المعارف، فإن لم نؤسِّس بشكل صحيح علمي وواقعي ومنطقي وحضاري في عملية التربية، إن لم نزرع الفكرة الجمالية الأولى المطلوبة من عملية التربية سنحصد كلّ شبيه لما يحصل الآن!!..
التربية وعلم الجمال
عندما نؤكد على مثل هذه المفاهيم وندقق جميعنا في مضامينها أي: كيف أعرّف ومن ثم أعلّم ومن ثم أربّي.. كمن يسير على رأسه!!..التربية أولاً ومن ثم التعلّم ومن ثم المعارف.. فالإنسان المتخصص في منهج علمي أو في دراسة علمية هو كالسائر في طريق صحراوي، إن لم يقم بإغنائه يبقى قاسياً وجافاً ومملاً... المعرفة تأتي أخيراً في العملية الجمالية (العلم الجمالي) وكلنا يعرف مفردات العلم الجمالي ومكوناته القائمة على الفنون السبعة، العمارة والرسم والنحت والتصوير والموسيقى والمسرح، والفن السابع هو السينما.. فكيف بنا أن نؤسس لهذه العلاقات وكثيرنا اليوم لا يعي خطورة ودقة عدم امتلاك مفاهيم وأسس علم الجمال..
"التربية أولاً".. ساعة يستيقظ الطفل ويرى لوحة حتى وإن كانت مزيّفة موجودة على جدار، حتى وإن كان الجدار غير مؤهل معمارياً.. فإن هذا الطفل عندما يكبر حتماً سيبحث عن اللوحة وعن أصولها فيعلم أنها مزيفة، وهو بهذا يكون قد بدأ بالتكوين الجمالي، وعندما يعلم أن الجدار غير مؤهل فيؤهله! وكذلك عندما يرى الوردة في كأس غير نظيفة لعدم توفرها، رويداً رويداً يعلم أن هذه الزهرة ينبغي أن تتواجد في مزهرية جميلة تستحقها الوردة، لأننا وفي الأبسط عندما لا نعلم أهمية الزهرة وجمالياتها فكأننا لا نعلم شيئاً!!.
"التربية أولاً".. هي الحالة المنطقية للانتقال نحو الأفضل.. بينكم أساتذة كرام قد يفوقوني في آلية التعريف والمعرفة والعلم والخبرات، ولكن حينما نتبادل معاً هذه اللغة الإنسانية ونستعرض أسباب ما وصلنا إليه نعلم أننا أخطأنا جميعنا بحق هذا البلد وبحق كثير من البلدان العربية، كوننا ننضوي تحت مسمى العروبة حتى اللحظة، والكثير لا يعلم عن مفهوم العروبة شيئاً ولا يعلم عن مفهوم الشخصية العربية وهل الشخصية العربية أولاً؟!.. وهل هذا الإنسان الساكن في هذه المنطقة هو الذي منح مكوّن الشخصية العربية؟ أم أن الأديان هي التي منحت مكوّن الشخصية العربية؟..
هناك خلط كبير في المفاهيم بما فيها مفاهيم القومية التي نتصارع حولها، والتي يسعى الكثير لإلغاء مفهومها، كيف هي وماذا أنجبت؟!.. هذه الشخصية العربية بعد تكوينها، هل العروبة أولاً أم الإنسان السوري أو العراقي أو الخليجي أو المصري أولاً؟.. اللغة المنطوقة الجامعة - وكنت قد تحدثت سابقاً عن نشأة اللغة وعلم اللسانيات، وكيف تطورت اللغة اللسانية في جذرها الأولي- وكثير من مفردات اللغات العالمية إن عدنا إلى جذرها، وهي تحتاج إلى تأمل نوعي، نصل إلى علم الحقيقة بأن الجذر اللغوي التاريخي نبت من هذه المنطقة.. فما هو سر هذه المنطقة وكيف تربّى أولئك السابقون؟ وكيف نحن الآن لا نمتلك من تلك العلوم إلا القليل، ونبيحه لفرقتنا واقتتالنا وصراعاتنا اللاواقعية والمرفوضة فكرياً وعالمياً، وكأن بنا نعيش عصور الظلمات!!..
مفاهيم الوطنية
نسأل: بماذا انتقلت أوروبا من عصر الظلمات إلى عصر النهضة؟؟.. نقول هنا: إنها انتقلت بعلم الجمال مباشرة، إذ تم تأسيس الفكر الجمالي الإنساني، وخرجت من سلطات القياصرة والأباطرة والقساوسة إلى سلطة النور العلمي، واتجهت إلى العمارة، فنشرت العمارة الحاضرة التي نراها اليوم والتي غدت حلماً لكل مَن في عالم الجنوب، وبشكل خاص حلم عالمنا العربي.. لماذا نهرب إلى عالم الشمال؟.. لنتفكر قليلاً: أين هي مفاهيم الارتباط والتجذر في الأرض، هذا الإنسان كيف يحلم بعالم الشمال؟.. بمعنى أن المفاهيم التربوية التي نشأنا عليها لم ترتق إلى مفهوم الرابطة الحقيقية ما بين الوطن والإنسان؛ مفاهيم المواطنة والوطنية ما زالت فقيرة وضعيفة فالكل يسعى للهروب من هذا الوطن.. كيف يحدث هذا؟!.. وإذا كانت الأحلام: بأن الأرصدة المالية توضع في عالم الشمال، والسكن يوضع في عالم الغرب، وحلم الإقامة في عالم الغرب وحلم التأشيرة.. وغيرها.. أنا أصارحكم.. فهل نهرب من هذه المصارحات؟!.. أين هو البناء التربوي المتكامل، فإن لم نتربَّ أولاً؛ أعتقد أن كل شيء بعده لا يقبل النقاش!!..
التربية هي الأساس، المفاهيم التربوية لم تأخذ حقها حتى اللحظة، وأعود إلى فكرة النخبوية في العملية القيادية والتي انفصلت فصلاً كاملاً عن المجتمع؛ فحصلت الهوة، وعندما أردنا أن نعود لبعضنا وجدنا هُوىً وسقطنا جميعنا من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى، وحتى ولو كنا نسير معاً وجدنا الهوة الكبيرة التي أخذت تفصل بيننا!!..
ليس هذا مدعاة للتشاؤم؛ إنما هي دعوة للخروج من النفق، فجميعنا اليوم في النفق، الجميع في النفق والكل يبحث عن المخرج، كيف بنا أن نخرج إن لم نضئ لبعضنا الشموع وننتقل مع بعضنا، لأنه إن بقينا نبحث فسنتعثّر ونترامى فوق بعضنا كما يحصل!.. المخرج المنطقي دائماً وأبداً هو: العودة إلى مفهوم العملية التربوية التي تسعفنا كثيراً وتساعدنا حينما ننطلق إليها ضمن مفاهيم العلمية والواقعية..
فنحن إن اتجهنا إلى العلمية وتحادثنا وصرّحنا أننا علميون؛ يشار إلينا بأننا علمانيون، والعلمانية: هي إلحاد!!، إذ ما زال مفهومُ العلماني مفهوماً لدى الروحي بأنه ملحد!!.. والسواد الأعظم من المجتمع الذي لم يمتلك العلمية الحقيقية يشار إليه بالإلحاد.. هذه هي المفاهيم التي تربّينا عليها، لأن الخلط الروحي مع علمية الروحي أن يكون مسكوناً في الجوهر الإنساني هو فهم خاطئ في التربية، فالتربية الدينية كانت تربية سطحية، وجميع الديانات حينما بنت في الإنسان فإنها بنت المسامحة والتسامح ولغة العقل ولغة العلم، حتى الرسول العربي حينما ظهر بالديانة الجديدة قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولم يقل إنني بُعثت لدين جديد، أي: أن ثمة أخلاق ينقصها القليل فأتى ليضيف..
عيش أم تعايش؟!
كيف كان مجتمع دمشق قبل الإسلام، وكيف كان مجتمع بغداد قبل الإسلام، وكيف كان مجتمع مصر قبل الإسلام.. وكيف كان مجتمع مكة قبل الإسلام؟!.. كان الوثنيون والصنميون والحنيفيّون والصابئة واليهود والنصارى - ما يطلق على المسيحية القديمة الأولى- كانوا يعيشون مع بعضهم ولم يكونوا بحالة تعايش؛ إذ إنه حتى اللحظة لا نميّز بين العيش والتعايش!!.. التعايش هو حالة قسرية كمن يتعايش مع مرض خطير أو عضال يقاومه بكل ما أوتي من قوة، الغاية أن يغلبه؛ أما العيش فهو لغة الحب..
إذاً، تعالوا لنعِش مع بعضنا لا أن نتعايش.. في المفاهيم التربوية هناك مغالطات وكأن الكثرة - حتى من القيِّمين على المقامات الدينية والمواقع الدينية - يتحدثون ونستمع إليهم عبر خطبهم: بأن من الضرورة بمكان أن يحدث التعايش.. ما هذا التعايش؟! نصحّح: العيش وليس التعايش!!.. لأن المكوّن الجغرافي للمنطقة السورية وسورية التاريخية، فنحن الآن نعيش ضمن الباقي من سورية التاريخية.. عندما طرح القوميون السوريون شعار سورية الكبرى أو سورية الطبيعية، ما كان هذا الشعار ليلد لولا وجود سورية التاريخية.. قدم الكثير من هذه الكتلة التاريخية الكبرى التي كانت إشعاعاً، وحينما ندخل للحديث ضمن معطيات دينية نجد أن مدائن صالح التي كان الخروج الأول لموسى النبي عليه السلام منها هي ضمن الكتلة التاريخية السورية، وبيننا مؤرخون ممكن أن يؤكدوا هذه العملية.. وكذلك أبرام وإبراهيم الخليل. والسيد المسيح وبولس الرسول. والنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وكل هؤلاء، والأفكار التي أتت وُلدت في الكتلة التاريخية السورية..
فنسأل سؤالاً بين بعضنا لماذا؟؟؟ ..وكل هذا الذي عمّ الأرض من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه نبت في هذه المنطقة: لماذا الصراع على هذه المنطقة؟ ولماذا الصراع ضمن هذه المنطقة بين بعضنا؟ لماذا هذه التقسيمات التي لم نستطع تربوياً حتى اللحظة إلغاء الفكر الطائفي والمذهبي والمناطقي والإثني فيما بينها؟.. نستحضر كيف حدث في عصر النهضة أن أُلغيت كل الفواصل مع بقاء كل الظروف، فنحن نعلم أن في المسيحية طوائف ومذاهب مشابهة تماماً لتقسيمات الإسلام وطوائفه ومذاهبه، فهناك الأرثوذكسية والبروتستانتية والروم والكاثوليك والأرمن والأقباط وغيرهم.. كلٌّ له مذاهب ومشارب؛ أما اليوم فتتفعّل  لدينا هذه العملية بقوة!.. فلماذا المسكون الداخلي في العقل والقلب.. ومركز الديانات الإنساني هو القلب، "ما أقر في القلب وصدقه العقل" أي إن العقل العلمي في الناتج النهائي هو الذي يصدق: يقبل أو يرفض!!.. فكيف لا نشتغل على هذه اللغة الإنسانية ونحن نتقدم للعيش وسط عالم أصبح صغيراً جداً .. قبل مئة عام لا أكثر لم تكن هناك صراعات، أي قبل 1920 لم يكن هناك حروب، وكثير منا يعرف من أجداده وآبائه أنهم حينما كانوا يريدون أن يهاجروا أو يغادروا أو حتى يسافروا إلى أمريكا مثلاً، فيكفي أن يحصل الواحد منهم على ورقة من المختار تثبت عنه منطقته ووجوده، ويذهب إلى بيروت، ومن الميناء يركب أي سفينة إلى العالم أجمع.. ومع ظهور العالم الجديد والتقسيم باتفاقية سايكس بيكو، ووجود الحدود السياسية صار هناك انتماء جغرافي للحدود؛ أي: إن سورية بحدودها، والعراق بحدوده، وفلسطين بحدودها، وكل منطقة جغرافيّة قُسمت ضمن وجود واقعي فُرض عليها..
مفاهيم ومضامين
مفهوم الحريات في التربية، ومفهوم الديمقراطية في التربية، ومفهوم العلاقات الإنسانية في التربية؛ كلها عناوين نحملها مانشيتات لا أكثر ولا أقل؛ ولكن هل المضمون الواقعي والمنطقي لمفهوم الحرية الفكرية وصلنا إليه وامتلكناه؟ وهل تحررنا نحن أولاً من دواخلنا لنقول: إننا نحمل معنىً كبيراً للحرية؟.. الحرية تبدأ من الشخصية الذاتية، وحينما تتحرر علميتنا ونتحرر من العُقد ومن الآفات ومن الموبقات المتعلقة بعملية عدم التجانس الإنساني يغدو الإنسان حراً؛ فيعي ما يريد ويطلب ما يريد بعد ذلك.. إذ من المؤلم أن نحمل مانشيتات وعناوين كبرى دون وعي لمضمون علمي وفلسفي وروحي لهذه العناوين..
ما هي علاقة العقل بالقلب والقلب بالعقل؟ لم نستطع حتى اللحظة أن نستوعب هذه الفكرة. هناك زمن طويل جداً يفصل بيننا وبين أوروبا وبين عالم الشمال.. أستخدم دائماً عالم الشمال لأنه في أعلى خط مدار الجدي تقع مجموعة منظومة ما يطلق عليها "دول العالم الأول"!! فنسأل أنفسنا سؤالاً: لماذا يُطلق عليهم العالم الأول، ونحن العالم الثالث أو العالم المتخلّف؟ وترؤفاً بنا قالوا الدول النامية (السائرة في طريق النمو).. ما زالت حتى اللحظة من أسباب نشأة الصراع في مناطقنا وعلى جغرافيتنا، والصراعات لا تنشأ إلا في عالم الجنوب.. الصراعات في عالم الشمال تنشأ حول الفوائد الأكبر، وهي في جلّها: من يستحصل أكثر، ومن هو صاحب النسبة الكبرى من خيرات الجنوب..
العالم العربي والإسلامي لم يستطع أن يستثمر موارده البشرية المنتشرة بكامل الكرة الأرضية!!، نحن نعيش على ما يعود إلينا من فائض الإنتاج.. المنطق في تحليل الشخصية الإنسانية؛ لحظة أن نشاهد هذا الجسد البشري التكويني نعلم أن العقل موجود في الأعلى، وباقي الأجزاء موجودة من تحته إلى الأسفل...
استثمارٌ للعقل.. وبحث عن الثروات
مَن يقود مَن؟!.. أفكار أطرحها ضمن عملية التربية الكبرى للنقاش.. فإذا كان عالم الشمال لا يمتلك أية مادة أولية، لا نفط. لا غاز. لا يورانيوم. لا ذهب. ولا نحاس... وكل هذه المواد موجودة في عالم الجنوب، بيد أنهم يستثمرون العقل من أجل البحث عن ثروات، وبالتالي إثبات عيشهم وحضورهم.. كيف بنا لا نستثمر العقل؟ كم من الأعوام والعقود والقرون نحتاج لفهم هذه العملية؟! ..

أخيراً

في مصارحة العقل والقلب؛ الإنسان لا يستطيع العيش من دون قلب، وبالتالي لا يمكن أن يعيش من دون روح، والأوروبيون والأمريكان والروس والصينيون واليهود يُصلّون كل يوم أحد!، ولكن على باب الكنيسة أو الكنيس أو المعبد لحظة خروجهم منه تنتهي هذه العملية الروحية، لأنها عملية جوهر، وتبدأ العملية الإنسانية في عملية الإنتاج والإبداع المادي.. فكيف بنا لا نتّجه إلى هذا الاتجاه.؟!..
لماذا نحارب بعضنا حتى فكرياً.. أليس هذا له علاقة كبرى بعملية التربية؟.. ولنعترف أننا مجتمعات "أنا" و"الأنا الفردية" متضخمة في كل واحد منا إلى حد كبير.. "أنا السلطة" و"أنا الفرد" و"أنا الإبداع" و"أنا الاختراع" و"أنا اللوحة".. هذه "الأنا" خطيرة إلى درجة كبيرة؟!
هناك كثير من القضايا يجب العودة إليها للتحرك منها والانتقال إلى عقلية تبدأ بعملية التربية.. الأسرة والمجتمع.. إن لم نمتلك عقلية التربية الجمعية نبقى نحن كما نحن.. لذلك عندما انكشف المشروع الثقافي العربي وجدنا أننا في هُوَىً وفواصل كبيرة جداً.. العملية التي تدعو إلى لقائنا والاتجاه إلى المطالبة بـ "التربية أولاً"..

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017