مقالات الباحثون
إحياء القيمرية (عمل بحثي)..إعداد: حسان النشواتي

تحدثت تحت عناوين مختلفة عن حارتي القيمرية وبأكثر من مسمى "أحلام قيمراني أو أحلام معماري"، أصف نفسي بالأول ابن الحي الذي أنتمي إليه، وبالثاني حيث أرى ما حولي انعكاساً لعملي كمهندس معماري.
أما الأحلام عندي فما هي إلا آمال كذاك الذي بدأ حلمه بكرة سحرية يرى فيها أخبار الدنيا وإن بعدت المسافات، فاجتهد إلى أن بات حلمه حقيقة بعد حين، فالحلم يتطلب جهداً وفكراً ومثابرة ومن هنا فأنا أحلم وأسعى بالسير على الطريق الذي يصنع الحلم.
وحلمي الذي بصدده اليوم، كنت قد بدأت خطواته منذ سنوات، وببساطه أقول لا زلت معه مع أني لم أحقق الذي أطمح به بعد..
ولم يغرب عن بالي أن هناك "أحلام يقظة"، تلك الأحلام التي لا يراها النائم بل تتصورها مخيلته.. وتكون شطحاً من خيالات عابرة لاتهم راويها ولا من تروى له.
أما أنا فآمل أن أغفو مرة وأحلق، فقد يمنّ التاريخ القادم عليّ ويسطر أياماً أراه فيها واقعاً..
فهو حلم مهندس، قد رسم بفكره، وتخيل ما يمكن إنجازه، وصاغ منهجاً معبداً يمكن السير فيه (نظرياً) لبلوغ الهدف وطريقه تمر بمراحل:
- توصيف جغرافية المكان
- لمحة عن تاريخه
- رسم خطوط العمل
- والتركيز على الغاية وأهمية الهدف
فهو عمل متنوع الجوانب، يتناول حياً كبيراً ذا مكانة هامة.. حي من أقدم الأحياء على وجه البسيطة وقد يعود تاريخ جغرافيته للألف السادسة قبل الميلاد، أما عنوانه فهو "من حارتي القيمرية".
فالقيمرية حي قديم بدأ قبل أن يُعرَفُ بهذه التسمية، وموقعه جنوب وشرق معبد حدد الآرامي، والذي حل مكانه معبد جوبيتر الروماني، ومن ثم كنيسة يوحنا المعمدان (النبي يحيى) إلى أن استقر الحال به ليكون صرحاً إسلامياً عُرف بالجامع الأموي الكبير.
ورغم تناوب المسميات الدينية لكن الصفة للمكان بقيت على مر السنين دار عبادة. ولا يخفى على أحد أن دور العبادة تبقى نقاط استقطاب اجتماعي وسكاني، لذا نمت حول تلك الرقعة بقع سكنية تطورت مع الزمن ونتيجة الظروف وعبر عصور متتالية إلى أن صادفت تبدلات في محيط المكان، فكان حريق القسم الغربي من  "قصر الخضراء" وهو مركز حكم الدولة بجنوب الجامع الأموي، مما أحدث تبدلاًً نتج عنه ازدهار بقعة أكثر من أخرى، وأدى لما عرف بالقيمرية ويؤرخ مولدها ما بين عامي 461- 660 للهجرة.

أما جوهر الحلم فيتمحور حول إعادة تأهيل الحي الذي بات باهتاً وفي طريق التلاشي رغم ما شهد وما مر عليه من مساكن ومشيدات يربطها نسيج يحكي تاريخ حقبة إن لم أقل حقباً متفاوتة من حيث زمانها، وإن بقي مظهرها للمار يعكس مشهداً عثماني الطابع، لكن الباحث المدقق الذي يجيد الغوص ويمعن النظر، يمكنه أن يتلمس شواهد لعصور مختلفة، ومنها.. الأعمدة الرومانية التي لا تزال معلماً جدارياً يراه الدمشقي والسائح، ويحكي له قصة البنّاء الذي مر من هنا.. والكتابات الكنعانية، التي لو فكت رموزها لأفصحت عما كان.. أما شبكة الحارات والدروب فهي تروي مفهوم عمارة إنسانية لا تعرف التعقيد وإنما تعكس سماحة تكوينات متداخلة تحكي روابط من سكنها وعِشْقهم لبعضهم بعضاً.
ولن أغوص بصفحات التاريخ أكثر حيث مطلبي الوصول إلى الهدف الذي أحلم.. ألا وهو بعث روح كانت، بجسد جديد يتناسب ومطلب العصر الذي حوى ما لا يمكن العيش دونه، والتأهيل الذي أتصور، لبعث تلك الروح إن هو إلا إرث لهوية حضارة كانت بملامح لا تزال ظاهره، أخشى مع مرور التبدلات أن تندثر وتطمس، فهي ليست انتماء لمجموعة، بل هي مخزون حضارات متنوعة ونظم اجتماعية ازدهرت، فهي للحضارة الإنسانية.

فالقيمرية من الأحياء الفريدة بدمشق، فهي قلب المدينة بمكانها الذي يتوسط الأسوار القديمة، ورؤيتي التي انطلقت منها لتحديد مراحل تحقيق الحلم ستكون اعتماداً على دراسة المكان من أزقة وحارات ودروب، ومن ثم جمع وثائق من خرائط ومخططات وصور ووصف لمعالم كانت عبر سرد من مر بالمكان وشاهدها عبر التاريخ، ومساقط هندسية مما يمكن توفره لمبان "منازل (كبيت قزيها حيث حل به أول قنصل انجليزي- Ferren – وبيت المبدعة ماري عجمي)، ومساجد (كجامع فتحي والمدرسة القيمرية التي اشتق الحي اسمه منها)، وحمامات (كحمام البكري وحمام البابين الذي لم يعد منه سوى أطلال تريد من ينبش ماضيها ويعيده ولو عبر الأوراق لتحكي عما كان) ومدارس (كالمدرسة المسمارية التي سبرت عمق التاريخ بما مر داخل جدرانها، ومدرسة أبي العلاء المعري التي أدركت بدايات ازدهار حركة التعليم)، وخانات (كخان عيسى القاري وخان الوردة الذي خرّج صناع فتل الحرير وتجّاره)، وقاعات نشاء (كقاعة جادة القيمرية وقاعة معاوية اللتين عرفتا تقنيات صناعة قديمة اندثرت مفرداتها وأدواتها)، وصروح ثقافية كمطبعة الترقي التي وقفت كمدرسة مهنية ثقافية خرج منها رواد، كوجيه بيضون صاحب مطابع "ابن زيدون"، فالمطبعة بدأت مشوارها مع رئيس المجمع العلمي (محمد كرد علي) ولما عكّر المستعمر الفرنسي بقذائفه تراث المدينة وأزال بهمجيته حي (سيدي عامود) وما فيه، وقتها أضاع "صالح الحيلاني" مطبعته هناك، وحزن كل الحزن لفقدها كمن فقد فلذة كبده، ولكن رفاق الخير لم يتركوه وحيداً بمصابه، فأتاه قيمراني أصيل "سعيد السادات" ليساعده في شراء ما عرف بمطبعة الترقي التي كانت لكرد علي، وانطلق "الحيلاني" ثانية مشوار غيور وطني مثقف، وأفاد بلده بنتاج أثمر عن إصدار مطبوعات عرفها مثقفو دمشق وحفلت بها المكتبات"..
 
وأتابع طريق التأهيل عبر توثيق القديم، ومن ثم الانطلاق لإعادة رسم البنية الاجتماعية وشرائحها، وذلك من خلال دراسة التركيب العائلي والأسروي الذي كان، ومن ثم ربطه مع المكان الذي عاشته، كمسكن وحارة وزقاق ودخلة، وكل هذا يحتاج جهداً بلا شك وتصميماً من العمل، كونه محفوفاً بصعاب؛ فالبيوت تحولت لمطاعم ومقاه وبارات ومحال اختلف قصدها وبات الهم جمع المال فقط، وتبدلت الوظيفة وتشوه الجوهر، وكان ما كان من تبعثر وطمس روابط وظيفية كانت.

ويمر طريق التأهيل بدراسة النسيج وبقعه السكنية التي لا يزال بعضها كما كان عند نشأتها، ومن ثم الوصول لتحديد ما يمكن الإبقاء عليه، والاستفادة منه بالوضع الحالي، مع تكييف ما عُدل وشوه، وإعادة ما خُرب ليفي بإعادة الوظيفة المطلوبة، ولابد من التركيز على سمات هامة محددة اتصف بها المكان كمنازل وجدت بالقديم لعائلات فقيرة، لم تحمل تميزاً لا من حيث السعة ولا من حيث الطراز، ولكنها مع ذلك وجدت لاستيعاب أسر فقيرة وبذلك تعكس فكراً معمارياً هادفاً، أخلُص لتسميته "عمارة الضرورة أو العمارة النبيلة".

وأتابع الطريق بإعادة دراسة النسيج الذي كان للحي بشكل يحقق الهدف وهو بعث تاريخ معماري اجتماعي سكاني تراثي، يحكي عبق تاريخ له فائدة إحياء وبعث التراث والنهل منه كإرث ميّز القيمرية والعود لدراسته والاستفادة من معينه، كلما اقتضت الحاجة واعتماده كمصدر.. أقلّه سياحي لا يلغي القديم بل يحييه ويبعثه حياً عصرياً ويعود بالنفع على الأجيال التي تنظر للمستقبل.

وإن أتيت لإرهاصات هذا الحلم فهو ما أنجزت ولا أزال متابعاً على طريق بلوغ الهدف، حيث بدأت منذ سنوات بمراحله الأولى وهي جمع ما يمكن من المساقط ومخططات لتوضّعات عمرانية، وصور لتلك المشيدات من منازل وحارات، وتسجيل الكثير عن حكايا الترابط العائلي وعلاقة الجوار الأسطورية وذلك عبر جولات ميدانية، خاصة وأني ابن الحي والمكان، الأمر الذي مكنني من الاجتماع بمن بقي من معمّري الحي الذين أفادوني من مخزون ذاكرتهم التي هدتني لأربط مابين المكان والسكان، وكان أن استفدت من أرشيف البعض ممن رحل عن الدنيا، بأن زودني أولادهم وأحفادهم بما ضمّت خزائن أسلافهم فكانت لدي غلة وتوفرت بجعبتي صور يعود منها لأكثر من مئة عام، وأتاحت لي الكتب تراجم لأشخاص كانوا.. ومن ذلك سجلت ما يمكن اعتباره أساساً للنظم العائلية التي كانت، تضم مخطط الموقع وصوراً للمنزل أو التجمع السكني، وتسلسل الأشخاص الذين سكنوا ونسب قرابتهم وأصول عائلاتهم وسبب التسميات وتسجيل التعديلات البنائية وتواريخها مع الإشارة لأمكنة تلك التعديلات بالمساقط والصور.

وترافق ذلك مع مثيل له ضمّ المشيدات الأخرى كالمساجد والتبدلات التي مرت عليها، خاصة وأن منها ما كان لمعابد قديمة فلقد أشرت إليها ولمن مر بها من مدرسين ومهتمين وكذلك للأبنية الأخرى التي كان لها دور في تخديم دمشق وليس للحي فقط، وكذلك بالنسبة للمهن والصناعات التي ميّزت هذا الحي حيث عرفه كثيرون باسم "الهند الصغير" ويعود ذلك لانتشار تجارة الحرير فيه ورواج صناعاته، كما قامت صناعات تفرّد بها "الآلاجة والنسيج".
ومن خلال تسجيلاتي لرواة ووقائع، فلقد طفت على سطح جعبتي قصص وحكايات تروي ترابط وتكاتف أبناء حي وكأنهم أبناء عائلة واحدة فارتسمت بذهني مشاهد وصور يمكن بعثها لتكون مواد قصصية وسينمائية تكون رديفاً إن لم أقل هدفاً آخر لا يقل عمّا أهدف من بعث روح جديدة لحي عريق ومرافقاً للعمل الهندسي ويمكن توظيفه والاستفادة منه، ولقد أطلقت عليه "إضاءات قيمرانية" أحكي به قصصاً حقيقية لما مرّ على الحي مدعماً بالأسماء والتواريخ والأمكنة.

وإضافة لما ذكرتُ فإن في الحي صروحاً هندسية هامة مثل قصر العظم وخان أسعد باشا ومكتب عنبر وجامع فتحي والمدرسة القيمرية وحمام النوفرة ونور الدين والسويقة الشهيرة بسويقة جيرون والتي عَرَفت وحدها ازدهاراً سياحياً قلّ نظيره.
فأخلُص أن تلك الصروح يجب أن لا تعرى وتصبح يتيمة ووحدها بل يجب أن تظهر من خلال توضّعها الأساس وضمن النسيج الذي أحاطها فتعود مرجعاً معمارياً يُظهر واقعاً يمكن أن تعود له الأجيال بالدراسة والبحث ومن ثم الكشف عن خبايا الماضي وعراقته.
ولقد اهتديت لمحصول وفير بدأت أسعى لإصدار محتواه بكتاب يحكي مرحلة خاصة وأن ما سأكشفه يحكي عن العديد مما ضمّه الحي، حيث تمكنت من تحديد مواقع شخصيات وإقامتها، كبيت الشهبندر الذي تربى بين جدرانه، المناضل الزعيم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، الذي كان من قادة الثورة السورية الكبرى عام 1925 وكبار رجالها السياسيين آنذاك. فاعتقل في عام 1922 وحكم عليه بالسجن 15عاماً، وأفرج عنه بعد مدة ثم أبعد إلى مصر ولبث فيها حتى صدور العفو عام 1937.
وصرح آخر عرفت غرفه العلامة قسطنطين زريق، ذاك العلامة الذي كان الانتماء الوطني والسياسي عنده بمساحة مختلفة، مساحة ارتبطت بدمشق: مساجد وكنائس وشوارع وأزقة وغوطتين، وبواحد من أزقة القيمرية كان بيت المنجد الذي طار منه سندباد المخطوطة العربية "صلاح الدين المنجد" مدير معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، وهو الذي كان همّه أن يجمع ولو بصور كل ما يسعه الوصول إليه من مخطوطات عربية توزعت في مكتبات العالم، فكان بحق "سندباد المخطوطات" فهو من أصدر فهارس لتلك المخطوطات في المجلة العلمية التي أصدرها للمعهد.
ولبيت "الحسني" لون مختلف فمنه خرج الشيخ بدر الدين " الذي كان تواضعه أمام الحكام والكبار ممتزجاً بالعزة والأنفة، حيث لم يستطع أحد منهم أن يأخذ منه ما لم يرد الشيخ أن يعطيه إياه، فلقد اعتذر عن دعوة قيصر روسيا، واعتذر عن دعوة السلطان عبد الحميد، ولم يقبل أن يفتي لجمال باشا وقد زاره وجثا بين يديه طالباً منه الإذن بشنق شهداء أيار فكان جواب الشيخ أن نصحه بالعدل واتباع الحق، وأفهمه إنه ليس هو المفتي ليتولى الإفتاء".
 
وللفن صفحات بملف التأهيل عبر فتح نافذة تحكي سيرة من كان بالقيمرية من فنانين كرفيق شكري الذي بدأ طريقه عاملاً بمعمل، وبمنجرة للأخشاب. ومن ثم انطلق مشواره الفني مقلداً مطربين كبار كمحمد عبد الوهاب، إلى أن اجتمع بعمر الحلبي أثناء حفل بمنزل المناضل "فخري البارودي" وغنّى كعادته مقلداً، فسأله الحلبي لم لا يغني الكلام السوري، ومن ذاك اليوم انطلق جمْع فني أثمر العديد من الأغاني، إلى تكون حصاد فني لأكثر من 400 أغنية.

فهل سيبقى حلمي رهين غفوة أم سيستيقظ من يرى فيه حلمه أيضاً ويسعى معي لتحقيقه.






















رسوم جدارية بمنزل "قزيها" من القيمرية













 المسقط الأرضي لجامع فتحي - قام برفعه المهندس فاروق حرستاني











أرض ديار منزل الأدهمي بزقاق النارنجة – من حي القيمرية
 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017