مقالات الباحثون
ثقوب سوداء تنبذها المجرات .. ترجمة: محمد الدنيا

في قلب كل مجرة - ومنها مجرتنا "الدرب اللبنية" - هناك ثقبٌ أسود فائق الكتلة، أي بكتلة أكبر بنحو 1 مليون إلى 1 مليار مرة من كتلة الشمس! كان معروفاً أن هذه الثقوب السوداء المركزية تندمج حين حدوث تصادم بين المجرات. إلا أن عمليات رصد حديثة كشفت عن أن الثقب الأسود المتولد من هذا الاندماج يمكن أن يتعرض لمفعول ارتدادي، بل وأن يُقصى بعنف خارج المجرة، وفقاً لعمليات محاكاة أنجزها عدد من الباحثين.
تسبر مقاريب علماء الفلك، منذ سنوات، وبحماسة بالغة، أغوار السماء في محاولة لرصد آثار هذا المصير القاسي: انتباذ الثقب الأسود فائق الكتلة، الذي يقصى بشكل عنيف بعد أن كان يتصدّر قلبَ مجرته، ترافقه زمرةٌ صغيرة من بقية نجوم تعود في أصلها لمجرة أخرى كانت فيما مضى مجرةً تابعةً.
كان العلماء قد أطلقوا على هذه "التراجيديا"، من الناحية النظرية، اسم "المجموعات النجمية مفرطة التضامّ" systèmes stellaires hypercompacts. إنها أنواع من المجرات الصغيرة، التي تتميز بثقب أسود أثقل وزناً من الشمس بنحو مليون إلى أكثر من مليار مرة، محاطٍ ببضع عشرات من آلاف النجوم التي تدور حوله بسرعة جنونية، على مسافة تساوي سنة ضوئية واحدة فقط منه. ومنذ سنتين، يسعى علماء الفلك إلى أن يبرهنوا على أن مثل هذه المنظومات الغريبة موجودة فعلاً في كوننا.

مفعول ارتدادي مذهل
باتت مناظير الفلكيين مصوَّبة اليوم نحو بعض هذه الثقوب التي يتوقعون أن تنبذها مجراتُها، ولو أن مثل هذه الثقوب في الواقع لم يلاحَظ من قبل إلا في عمليات المحاكاة المعلوماتية للديناميكيات المجرّية، منها تلك التي أنجزها عالم الفيزياء الفلكية "ديفيد ميريت " David Merritt من "مركز النسبية والتجاذب الحَوْسَبييْن" في Rochester Institute of Technology، الذي كان أول من "رآها"، عام 2008.... إن الآلية التي تدفع الثقب الأسود إلى الابتعاد عن المجرة هي التي تفسر اهتمام علماء الفلك المفاجئ. ذلك أن ما تُظهره عمليات محاكاة "ميريت" لم يكن قد لوحظ من قبل أبداً! قد تكون حالات الإقصاء الكونية هذه نتيجةَ شكلٍ من أشكال الدفع بالموجات التثاقلية ondes gravitationnellles الناجمة عن اندماج مجرتين. هذه الآلية تستحق بعض التفسيرات.
من المعروف منذ زمن طويل أن التجاذب التثاقلي بين المجرات يدفعها نحو التصادم والاندماج لتتشكل واحدةٌ جديدة أضخم كتلة. وبما أن غالبيتها تتميز بوجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركزها، فإنه يترتب على ذلك بشكل طبيعي أن يؤول الثقبان الأسودان للمجرتين، اللتين تندمجان في واحدة، إلى الظاهرة نفسها: يدور كل منهما حول الآخر خلال بضعة ملايين من السنين، متقاربين شيئاً فشيئاً، إلى أن يتلاقيا ويندمجا نهائياً. التفسير الفيزيائي لهذا الاتحاد بسيط جداً: بما أن الثقبين الأسودين اللذين يدور كل منهما حول الآخر يتخذان في كل لحظة اتجاهات انزياحية متضادة، فإن تجاذبهما التثاقلي المتبادل يؤدي دور الكابح. ينعكس هذا التبطيء المتبادل التدريجي، الذي يدفعهما نحو التقارب، فقداناً في الطاقة الحركية. كيف تنبعث هذا الطاقة المفقودة؟ تنبعث على شكل موجات تثاقلية، أنواع من انْثناء لُحمة المكان – الزمان تتحرك بسرعة الضوء مثل موجات على سطح الماء، وحاملةً معها إلى أرجاء الكون، في موجاتٍ دائرية، قليلاً من طاقة دورانِ الثقبين الأسودين الثنائيين.
يعرف علماءُ الفلك هذه الموجات التثاقلية منذ وقت سابق: "توقَّعها "أينشتاين" منذ عام 1916. وتأكد وجودُها عام 1974 من خلال رصد منظومةِ نجميْن نيوترونيين étoiles à neutrons يدور أحدهما حول الآخر، حسب توضيح "فرانسواز كومب" Françoise Combes، عالمة الفلك من مرصد باريس، والاختصاصية في ديناميكا تشكُّل المجرات. إلا أن ما لم يكن متوقعاً هو أن تتمكن هذه الموجات من أن تقذف بعيداً، وبلا هوادة، الثقبَ الأسود الذي تكوّن من اندماج ثقبين سابقين!.
في الواقع، عندما تكْمل الثقوب السوداء اندماجَها، تندمج حقولُها التثاقلية هي أيضاً. إلا أن الحقل المتولد من هذا الاتحاد يمكن أن يتشوه قليلاً، مُفْضِياً إلى عدم تناظر في انتشار الطاقة على شكل موجات تثاقلية. وكما توضح "فرانسواز كومب"، "إذا ما وُجد مزيدٌ من الطاقة المنبعثة في اتجاه معيَّن، خلال فترة الاندماج، فإن الثقب الأسود الجديد ينطلق في الاتجاه المعاكس، بمفعول ارتدادي". هذا هو مبدأُ الدفع الجوي والفضائي نفسُه، سوى أن ما يُقذَف هنا ليس غازاتٍ بل موجات تثاقلية. ويكفي قدْرٌ قليل من انعدام التوازن خلال اندماج الثقوب السوداء لإشعال المحرك!.
ووفقاً لعمليات المحاكاة، يَحْدث المفعول الارتدادي الأقصى عندما يكون للثقوب السوداء كتلٌ متماثلة وحين تكون في حالة دوران حول نفسها في اتجاهات متعاكسة، وهو تشكُّلٌ نادر جداً من الناحية الإحصائية. ولكن، إذا حدث هذا التشكل، يكون انبعاث الموجات التثاقلية عندئذ، وقت الاندماج، لا متناظراً إلى درجة يستطيع معها، نظرياً، دفْعَ الثقب الأسود المتشكل حديثاً بسرعةٍ تمكِّنه من التغلب على قوة تجاذب مَجَرّتِهِ كلِّها: ينبعث منها هذا الجسم الكوني، الثقب الأسود، مثل صاروخ. سارع علماء الفلك، الذي تأثروا بهذا السيناريو النظري، إلى البحث في أرجاء السماء عن آثار هذه الأجسام الكونية المَنْفِيّة. كان عملاً صعباً ودقيقاً، لأن هذه الظاهرة قليلة الحدوث بالضرورة – وإلا لكان علماء الفلك رصدوا منذ وقت مضى مجرات بلا نواة. "تعود الغالبية العظمى من الثقوب السوداء، التي تتعرض لارتدادٍ بسرعة بضعة مئات من الكيلومترات في الثانية، لتسقط بسرعة كافية في مركز المجرة. ذلك إنه كي تنقذف بعيداً، تلزمها عتبة سرعة من معدل ألف كيلومتر في الثانية، وهو ما يبدو نادراً جداً"، تشرح "فرانسواز كومب". مع ذلك، كشفت المقاريب مؤخراً مجرات عديدة تتميز بثقب أسود مركزي زائح عن مكانه في الوسط إلى حد كبير، مثل المجرة العملاقة M87، التي تنحدر من اندماج مجرات قديمة ذات ثقوب سوداء لا متناظرة – والتي تشبه ما ستغدو عليه مجرتُنا بعد أن تندمج مستقبلاً مع مجرة "أندروميدا" Andromède – أو المجرة البعيدة ESO-243-49. ووفقاً لمعطيات علماء الفلك، فإن المفعول الارتدادي التثاقلي هو مع ذلك أضعف من أن يجعل هذه الثقوب السوداء تتعرض لمصير الإقصاء. في الوقت الراهن، هناك ثقبان أسودان فقط يبدوان أنهما يستوفيان شروط الإقصاء وفقاً للقواعد. الأول، الذي اكتشف عام 2008، هو الثقب الأسود للكوازار (شبه نجم) quasar المسمى J092712.65+294344.0، الذي يقع في مكان أقرب إلى مركز المجرة، ولكن الذي يبتعد عنه بسرعة 2650 كم / ثانية. أما الثاني، المسمى J122518.6+144545، الذي اكتشف عام 2010، فإنه يطوف في المجرة على بعد 10000 سنة ضوئية من موضعه المركزي.

رصد حاسم
مع ذلك، يستحيل في الوقت الحاضر تأكيد أن هذين الثقبين المرشحين للإقصاء سيخضعان للفحص، لأنه لا تتوفر لعلماء الفلك اليوم مقاريب تتمتع بقدرة رصد كافية بهذه الأبعاد: "لا نعرف الآن ما إذا كانت الثقوب المرشحة لهذه الظاهرة، والتي تتمتع بسرعة ابتعاد كافية، هي الثقوب السوداء المركزية فائقة الكتلة. عدا ذلك، من الصعب أن نميز عيانياً مجموعة نجمية مفرطة التضامّ عن مجموعة أخرى متضامة compact وحسب، مثل الحشود الكروية amas globulaires أو المجرات القزمة الكثيفة"، يشرح "ميريت". نلمس الحذر نفسه عند "بيتر جونكر" Peter Jonker، عالم الفلك من Netherlands Institute for Space Research (في "هولندا")، وعضو الفريق الذي اكتشف الثقب المرشح الثاني عام 2010: "لا يمكننا حتى الآن قياس كتلته كي نستطيع أن نعرف ما إذا كنا بصدد ثقب أسود مركزي، ولا قياس سرعة ارتداده أيضاً، كي نحدد ما إذا كانت المجموعة ستبتعد في نهاية الأمر عن مجرتها الثاوِيَة". وهكذا، رغم الحماسة التي تحفز الأبحاث الحالية، يبقى السؤال: ما هو مدى احتمال حدوث تشكُّلٌ configuration الارتداد الأعظمي الذي ستتخذه الثقوب السوداء المركزية؟ إذا كان الاحتمال ضعيفاً أكثر من اللازم، فسيغدو من الصعب، إن لم نقل من شبه المستحيل، كشْفُ حالة إقصاء مؤكَّدة، مما سيحرم علماء الفلك من إثباتٍ بالرصد.
ولكن، إذا كانت هذه الظاهرة شائعة بشكل كاف كي ترصَد، فإنها يمكن أن تتيح تدقيق نماذج اندماج المجرات وأن تزود علماء الفلك بنمط جديد من الأجرام التي سيتوجب عليهم رصدها وتتبّعها. وسيكون من شأنها، بشكل خاص، أن تؤكد القدرةَ المذهلة لهذه الموجات التثاقلية التي لم يعرف علماء الفلك إلا القليل حتى الآن حول دورها في تطور كوننا. إنها موجات قادرة على إزاحة أقوى أجرام الكون عن مواقعها.

هل يمكن أن يُقصى ثقب "الدرب اللبنية"؟
يمكن لمجرتنا "الدرب اللبنية" ومجرة أندروميدا، المتباعدتين بمسافة 2,4 إلى 2,9 سنة ضوئية، والمتقاربتين بسرعة 120 كم / ثا، أن تندمجا في غضون 3 مليارات سنة قادمة. يمكن أن يسلك ثقباهما الأسودان المركزيان (الأكبر من كتلة الشمس بـ 4 و40 مليون مرة على التوالي) الطريقة نفسها. هل يمكن أن يتعرضا للإقصاء؟ هذا الأمر بعيد الاحتمال، نظراً للفرق الكتلوي بين هذين الثقبين الأسودين. ولكن، ماذا يمكن أن يحصل لو حدث ذلك؟ لا شيء مهم كثيراً! "لا يمثل الثقب الأسود المركزي سوى 0,2% من كتلة قلب المجرة شبه الكروي". "لا يشكل إقصاؤه خطراً على تماسك المجرة"، يقول "بيتر جونكر". "يسبب هذا الإقصاء رخاوةً تثاقلية موضعية جداً: يتمدد مركز المجرة، ويدفع النجوم المجاورة قليلاً نحو الأطراف"، يضيف "ديفيد ميريت". لن يكون هناك إذاً حدث مأساوي....


عن Science & Vie الفرنسية
 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017