مقالات الباحثون
البحث عن الطاقة في أعماق مادة الكون.. الدكتور محمد العصيري

لقد أثبت لنا العلم خلال مسيرته الطويلة أننا كلما تعمقنا في دراسة بنية المادة المحيطة بنا كلما حصلنا على نوع جديد من الطاقة أكثر قدرة من الأنواع التي سبقتها. والطاقة تعبر بدورها عن حاجة أساسية للإنسان من الكون المحيط به واستحصالها هي عملية التفاعل بين الإنسان والكون. وللبحث عن الطاقة علينا سبر أغوار المادة لأن التاريخ الطويل للعلم يعلمنا بأن كل خطوة نخطوها في سبر أغوار المادة هي بالوقت نفسه عملية بحث عن إمكانيات جديدة للحصول على الطاقة فالارتباط وثيق بين الحصول على طاقات أفضل ودراسة المادة.
يتألف الكون من مادة وطاقة سواء المادة المرئية أو غير المرئية ومن طاقة سواء الطاقة المعروفة أو الطاقة المعتمة. وتربط بين المادة والطاقة القوى الكونية الأربع والتي سنتعرف إليها من الأضعف إلى الأقوى:
-    القوة الثقالية:
القوة الثقالية هي قوة عالمية أي إن كل الجسيمات تشعر بها بما يتناسب مع كتلتها وطاقتها والثقالة هي أضعف القوى عن بعد ولولا أنها تتميز بطول مداها الكبير وكونها تجاذبية دوماً لما شعرنا بها ولكن نتيجة تتضافر قيمة هذه القوة في الجسيمات الأفرادية تبلغ قيماً محسوسة كالتجاذب بين الشمس والأرض أما عن القوى الثلاث الباقية فهي إما ذات مدى قصير وإما تجاذبية تارة وتنافرية تارة أخرى مما يؤدي إلى انعدام حصيلتها.
في الفيزياء ما يتحكم بالقوة الثقالية هي النظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين وفي السرعات الأصغر معادلات نيوتن.
تنطلق النظرية النسبية العامة من مبدأ التكافؤ الذي ينص على أن حقل الجاذبية الأرضية المتجانس مثلاً مكافئ تماماً لإطار مرجعي متسارع بانتظام.
لقد افترض أينشتاين أن مبدأ التكافؤ صحيح في كل الفيزياء أي أننا لا نستطيع تمييز الحركة المتسارعة بانتظام عن وجود الحقل الثقالي ولقد تم إثبات صحة ذلك تجريبياً عن طريق علم الفلك.
أما في ميكانيك الكم فإننا نعامل القوة بين جسيمي مادة على أنها محمولة على جسيم سبينه 2 يسمى غرافيتون وهذا الغرافيتون ليس له كتلة وبالتالي القوة التي يحملها ذات مدى فاعل كبير وهذه الجسيمات المتبادلة بين الأجسام وهمية حيث نقصد بالجسيم الوهمي ذلك الجسيم الذي يظهر بأثره في وسائل القياس دون أن يظهر في كواشف الجسيمات أي أننا لا نعرف عنه سوى مفعوله الفيزيائي. أما الغرافيتونات الواقعية فتمثل بالفيزياء التقليدية الأمواج الثقالية وهي ضعيفة جداً.
ولا بد من الإشارة إلى معنى السبين: يعبر السبين عن مظهر الجسيم عندما ننظر إليه من مناحٍ مختلفة؛ فالجسيم الذي سبينه صفر يشبه نقطة من أية زاوية نظرنا إليه والجسيم الذي سبينه واحد يشبه السهم يختلف مظهره باختلاف منحى النظر ولا يعود إلى مظهره الأول إلا إذا دار دورة كاملة (360درجة) أما الجسيم الذي سبينه 2 فيشبه سهماً ذا رأسين ينطبق على نفسه بعد نصف دورة (180درجة) وهكذا. أما الجسيمات ذات السبين ½ فهي تحتاج لاسترداد مظهرها لدورتين كاملتين- بشكل مقبول يمكن تخيل السبين بأنها طريقة دوران الجسيم حول محوره وهذا افتراض تخيلي وغير واقعي.
-     القوة النووية الضعيفة وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي الصادر عن بعض النوى وهي تؤثر في جميع الجسيمات التي سبينها ½ (والتي تدعى الفرميونات)
ولا تؤثر في الجسيمات الحاملة للقوى والتي سبينها عدد صحيح (والتي تسمى بالبوزونات) كالفوتون والغرافيتون والتفاعل النووي الضعيف تحمله جسيمات اكتشفها محمد عبد السلام وستيفن واينبرغ - بعد أن وحّدا هذه القوة مع الكهرطيسية - وهذه الجسيمات هي ثلاثة سبينها واحد لذلك فهي من عائلة البوزونات الثقيلة يرمز لهم بـ: +W &-W&Z  ولهم كتلة كبيرة جداً خلافاً للفوتونات والغرافيتونات التي تعتبر "بوزون خفيف".
-    القوة الكهرطيسية والتي هي اجتماع للقوتين الكهربائية والمغنطيسية. أما المعادلات الحاكمة لها فهي معادلات مكسويل.
إن القوة الكهرطيسية حالياً هي من أكثر القوى المدروسة والتي استفدنا من دراستها في توليد الطاقة الكهربائية التي تعد المصدر الأكثر استخداماً وانتشاراً في العالم وهذا يؤكد ما قلته سابقاً في أننا كلما تعمقنا في دراسة المادة حصلنا على مصادر أفضل للطاقة ولكن ما علاقة الطاقة بميكانيك الكم؟
تعمل القوة الكهرطيسية بين الجسيمات المشحونة بالكهرباء كالإلكترونات والبروتونات لكنها عديمة الأثر بين الجسيمات اللامشحونة وهي أكبر بكثير من القوة الثقالية.
وهنا يبدأ التمايز داخل القوة الواحدة ففي هذه القوة تقسم الجسيمات والأجسام إلى ثلاثة أنواع حسب شحنتها إلى موجبة وسالبة ومتعادلة والقوة بين شحنتين متشابهتين تنافرية وبين شحنتين مختلفتين تجاذبية ومحصلة التجاذب والتنافر ضمن مجموعة جسيمات إفرادية تتعادلان وتتفانيان تقريباً وتبقى للجسم الكبير (كالأرض مثلاً) قوة كهرطيسية ضعيفة جداً. أما في سلم الذرات والجزيئات فالقوة الكهرطيسية هي الطاغية.
الجسيمات الوهمية الحاملة لهذه القوة هي الفوتونات عديمة الكتلة وذات السبين 1 تتبادلها الشحنات الكهربائية كرسائل معلومات بين بعضها بعضاً.
-    القوة الرابعة وهي أشد القوى جميعها قدرة على التأثير وهي القوة الأكبر بين جميع القوى وهي القوة النووية الشديدة والتي تمسك بين الكواركات التي تشكل البروتونات والنترونات وتربط البروتونات والنترونات معاً داخل نواة الذرة.
تُحمل هذه القوة على جسيم سبينه 1 (فهو إذاً بوزون) اسمه كليون وهذا الجسيم لا يتفاعل إلا مع نفسه ومع الكوارك. ولكن قبل التكلم عن هذه القوة وخصائصها علينا أن نعود لنثبت الأفكار السابقة ونشرح بعض الأفكار:
تقسم جميع الجسيمات في الكون إلى بوزونات ذات السبين الصحيح (0,1,2) وتشكل حوامل القوى مثل الفوتون والغرافيتون والكليون وWوZ.
والفرميونات ذات السبين الكسري (1/2) والتي تشكل مادة الكون والتي تخضع لمبدأ الاستبعاد لباولي (لا يمكن لجسيمَين متماثلين أن يوجدا في حالة واحدة أي لا يمكن أن يكونا في الموضع نفسه والسرعة ذاتها مع احترام مبدأ الارتياب لهايزنبرغ (لا يمكن تحديد سرعة وموضع جسيم معاً). والفرميونات بدورها تقسم إلى الليبتونات والتي تتفاعل بضعف (بالقوة النووية الضعيفة) مثل الإلكترون. والهادرونات والتي تتفاعل بقوة مثل الكواركات. ومن هنا تنطلق جميع الجسيمات


ولكن لنتكلم قبل الحديث عن هذه الجسيمات الأولية عن الشق الثاني من المادة وهي المادة المضادة:
إن لكل جسيم جسيماً مضاداً له يتفانى معه ولنبدأ بشرح الجسيمات المضادة.
كما نعلم في القوة الكهرطيسية هناك الشحنة الموجبة ويأتي ضدها الشحنة السالبة ومن هنا بدأ المشوار:
 
في عام 1928 تنبأ العالم الفيزيائي البريطاني ديراك بوجود المادة المضادة وأن لكل جسيم جسيماً مضاداً ذو كتلة مساوية لكتلة الجسيم ولكنه يحمل شحنة كهربائية مختلفة الإشارة ويمكن أن تتجمع هذه الجسيمات المضادة لتشكيل ذرات مضادة فأكوان مضادة.
وعندما يصطدم جسيم بجسيمه المضاد يُفني كل منهما الآخر وتنطلق أشعة غاما عالية الطاقة فلو تصافح إنسان مع قرينه المضاد فإن الانفجار الحاصل سيكافئ ألف انفجار نووي قوته ميغاطن يكفي الواحد منها لتدمير مدينة.
بعد أربع سنوات من تنبؤ ديراك اكتشف العالم الأمريكي أندرسون أول جسيم مضاد وهو البوزيترون وهو مضاد الإلكترون أي له كتلة الإلكترون وبشحنة موجبة وبعد ذلك توالت سلسلة اكتشافات الجسيمات المضادة كالبروتون المضاد ثم استطاعت البشرية ولأول مرة الحصول على ذرة مضادة (ذرة الهيدروجين المضاد) وذلك من خلال تجربة دمج البروتون المضاد مع البوزيترون ولكن العلماء يحاولون البحث عن المادة المضادة في الكون المحيط بنا وللأسف لا يمكن أن توجد نجوم وذرات مضادة قريبة منا (قريبة بمعنى الأبعاد الفلكية) لأنها لو وجدت لكانت تفانت مباشرة مع أي ذرة عادية وهي موجودة بكثافة من حولنا ولانطلقت طاقة وأشعة غاما دلت على هذا التفاعل وحتى الآن لم نرصد مثل هذه الطاقة رغم تطور الأجهزة العاملة على ذلك ولكن على بعد أكبر من مدى أفضل التلسكوبات في العالم لا نعرف إن كانت هنالك مجرات ونجوم مضادة كما لا يوجد ما يثبت ذلك، ومن جهة أخرى فإن علم الكون الحديث يزودنا بحجج تؤيد تكون الكون بكامله تقريباً من المادة العادية وذلك نتيجة أن الانفجار الأعظم (الفرضية التي تشرح نشأة الكون وتطوره) أنتج فائضاً من المادة على المادة المضادة في لحظة الخلق الأولى وذلك نتيجة عدم تناظر صغير في قوانين الفيزياء (يسمى انتهاك قاعدة بقاء الندية) وهذه الزيادة الصغيرة هي التي بقيت بعد أن أفنت المادة المادة المضادة أما ما نقيسه من خلال الأشعة الكونية فهي مادة مضادة اصطناعية أي أنها تولدت بعد الانفجار الأعظم. ولكن يبقى هذا الكلام فرضياً لم نستطيع إثبات خطئه حتى الآن.
إن الجسيمات المضادة لحوامل القوى هي حوامل القوى نفسها أما الجسيمات المضادة للكواركات فهي مضادات الكوارك ولكن شتّان بين مضاد الكوارك ومضاد الإلكترون فمضادات الكوارك موجودة بكثرة لأنها تعتبر من الجسيمات الأولية- الجسيمات الأولية تشكل اللبنة الأساسية لمادة العالم ولكن الأولية كلمة نسبية فما معنى: جسيم أولي؟
الجسيم الأولي هو الجسيم الأكثر صغراً ويشكل اللبنة الأساسية لجميع الجسيمات في هذا الكون وبالتالي هي أكثر وحدة جزئية مكونة للمادة، هذه الجسيمات هي الكواركات والإلكترون وهما الجسيمان الوحيدان اللذان لا نستطيع تجزئتهما وتتشكل باقي الجسيمات إما منهما أو ممّا ينتج عنهما.
 واجتماع كوارك وكوارك مضاد يشكل جسيماً يسمى "ميزون" وهناك أنواع من الميزونات قبل الحديث عنها دعونا نتكلم قليلاً عن الكواركات.
كان أحد الإلكترونات يسير بسرعة عالية متجهاً لصدم بروتون نتيجة توفر طاقة عالية جداً وذلك في أحد المسرعات والمسمى SLAC وكان هذا الإلكترون يتوقع أن يصطدم بشحنة كروية طرية ولكن للأسف كان توقعه هذه المرة خاطئاً فلقد فاجأه البروتون ببنْية نقطية صغيرة وقاسية داخله فتبعثر الإلكترون وكان درساً قاسياً له وكان ذلك في أواخر الستينات.
هذه التجربة كانت الدليل الأول على الاقتراح الذي قدمه الفيزيائي موري جيل مان ولم يكن هذا الاقتراح سوى أن البروتونات عبارة عن اجتماع جسيمات نقطية هي الكواركات مع العلم أن أصل هذه الكلمة هي جملة غامضة وردت في أحد كتب جيمس جويس " قصة تأبين فينغانية".


إن للكواركات حتى الآن ثمانية عشر نوعاً أهمها:
العلوي والسفلي والغريب والفاتن والقعري والذروي ولكل نوع ثلاثة ألوان هي:
أحمر وأخضر وأزرق ولكل منها شحنة كهربائية كسرية (1/3or2/3).
أما عن الأسماء فهي لا تتعدى عن كونها أسماء مثلية اقترحها فيزيائيو هذا العصر وأما عن الشحنة الكسرية فهي قسرية تفرضها التجربة ويفرضها كون الكوارك جسيماً أولياً وأما عن اللون فهي خاصة جديدة من خواص الكوارك ولا نقصد باللون أي اللون كم هو مفهوم طبعاً؛ لا لأن الكواركات أصغر بكثير جداً من طول موجة الضوء المرئي والكوارك عديم اللون بالمعنى العادي لكلمة لون لكن خيال العلماء أصبح أكثر رحابة وأكثر استعانة بالأمور السهلة والمتعامل بها بشكل أكبر ولأن مجموع الثلاثة منها يؤدي إلى الشحنة صفر مثلما تؤدي مجموع الألوان الأساسية إلى اللون الأبيض.
إن ارتباط كوارك سفلي وكواركين علويين بالألوان الثلاثة معاً يشكلون جسيماً أبيض هو البروتون ذو الشحنة +1 وذلك حسب الآلية (2/3+2/3-1/3) أما النترون عديم الشحنة فيتألف من كواركين سفليين وآخر علوي (-1/3-1/3+2/3) وهكذا يمكن تشكيل أيٍّ من المركبات ثلاثية الكوارك والمسماة الباريونات (وهناك الباريونات المضادة والمؤلفة من كواركات مضادة).
إن التجاذب بين مختلف الألوان يشكل القوة النووية الشديدة كما ذكرنا سابقاً ولنتذكر أن الجسيمات الحاملة لهذه القوة هي الكليونات.
أما عن ألوان الكوارك المضاد فهي تملك الشحنات اللونية المضادة (أي أحمر مضاد أو أزرق مضاد أو أخضر مضاد ويرمز لذلك بناقص اللون المضاد مثل ناقص أحمر).
إن الشحنات اللونية المتعاكسة ذات الإشارات المتعاكسة تتجاذب فالكوارك الأحمر مثلاً يرتبط بكوارك مضاد لونه ناقص أحمر ليشكلان جسيماً يسمى الميزون وأكثر الميزونات شيوعاً هو البيون وهو الذي يرصد عادة في التفاعلات النووية.
هنا يظهر التقابل بين الشحنات الكهربائية والشحنات اللونية والنظرية الكهرمغنطيسية تصف التجاذب بين الشحنات الكهربائية المتعاكسة ولقد تم دمج النظرية الكهرطيسية والنظرية الكمومية بنظرية واحدة هي نظرية الإلكتروديناميك الكمومي والتي تنص كما رأينا على أن القوة الكهرطيسية تنتقل بواسطة أجسام معدومة الكتلة اسمها الفوتونات.
وهذا الفوتون هو الذي ينقل المعلومات بين الشحن.
أما النظرية المكافئة للنظرية السابقة في دمج القوة النووية الشديدة بميكانيك الكم فهي نظرية الشحنات اللونية والتي تتواصل بوساطة القوة الشديدة وتدعى نظرية الكروموديناميك الكمومي والتي تقول إن الكليونات (أي الكمومات العديمة الكتلة الحاملة للقوة النووية الشديدة) هي التي تنقل هذه القوة.

نضيف لذلك أن الفوتون يحيط بالإلكترون بصورة منتظمة مشكلة طبقة ذات تناظر كروي وكثافة هذه الفوتونات تتناقص مع المسافة وبالتالي فالقوة الكهرطيسية تتناسب طرداً مع مقلوب مربع المسافة. أما الكليونات فليست منتظمة التوزع حول الكواركات وهي تشكل مجتمعة مع بعضها ما يشبه الأنبوب الذي يربط الكوارك والكوارك المضاد (ولهذا نجد أن للكليون لوناً ولوناً مضاداً معاً) واللون الذي منشأه الكوارك يمثل وكأنه يجري داخل الأنبوب الكليوني إلى الكوارك المضاد حيث يمتص.
إن هذا الأنبوب هو الذي يمنع وجود كواركات حرة في الكون لأننا نحتاج لطاقة لا نهائية لمط الأنبوب حتى يصبح طوله لا نهائياً واللون الذي ينتج عن الكليون هو عديم اللون وكأن الطبيعة تكره اللون وتحاول الاستقرار عند عدم وجود اللون ولكن لننظر ماذا يحدث لو انكسر هذا الأنبوب ولنأخذ مثالنا الميزون الذي كما رأينا يتألف من كوارك وكوارك مضاد فحين ينكسر الأنبوب الكليوني الواصل بينهما في نقطة ما يصبح طرفاه كواركاً وكواركاً مضاداً مما يولد ميزوناً إضافياً أي تحول الميزون الواحد إلى ميزونين.

لقد أتى الدليل الأول على وجود الكليونات من تلاشي الإلكترون والبوزيترون (الإلكترون المضاد) والتي تولد طاقة تكفي لتوليد كوارك وكوارك مضاد ينطلقان في اتجاهين متعاكسين محدثين همرات (shower) من الميزونات والباريونات وهكذا نقيس هذه الدفقات في الاتجاهين المتعاكسين. وقد تمت هذه التجربة فعلياً عام 1979 وكانت نتائجها مؤكدة لنظرية الكروموديناميك الكمومي.
ويمكن للكليون أن يتحد بكليون آخر أو أكثر ليشكلا جسيماً من الكليونات شديدة التماسك وذات لون محايد يدعى هذا الجسيم الافتراضي بالكرة الكليونية (لا ننسى أننا نتحدث عن حامل قوة ينتمي لفئة البوزونات ذات السبين1) والتي يمكن أن تنشأ بآليات مختلفة أضف لذلك أن الكليون يمكن أن يرتبط بميزون ليشكل جسيماً جديداً يدعى هايبريد، فعلى سبيل المثال يمكن أن نتصور ارتباط كوارك أحمر وكوارك لونه ناقص أزرق بكليون أزرق/أحمر مضاد لتكوين هايبريد أبيض (وهو أساساً ميزون يدور فيه الأنبوب الكليوني حول الخط الواصل بين الكوارك والكوارك المضاد).
 بقي لدينا جسيم أولي هام لم نأتِ على ذكره حتى الآن ألا وهو النترينو هذا النترينو كتلته تساوي الصفر (هناك تجربة تعكس ذلك) وشحنته صفر.
تكمن أهمية النترينو كما سنرى في نظرية التوحيد الأعظم كما أن له أثراً كبيراً في موضوع المادة السوداء والتي تشكل 95% من كتلة الكون أي أننا لا نتكلم إلا عن الـ 5% فقط من الكون وكل هذه النظريات تشرح هذه الـ 5% فكيف حال الـ 95%؟
لنعد ونرتب الأوراق: لقد تكلمنا عن القوى وعن الجسيمات الحاملة للقوى وعن المادة والمادة المضادة وحان الوقت لنجمع الأفكار ونضعها في قالب واحد.
لقد مات العالم الكبير أينشتاين وكان حلمه أن يرى جميع قوانين الفيزياء قد توحدت وأصبح هذا الهدف شغله الشاغل في نهاية حياته ثم انتقل هذا الهدف ليصبح هدف جميع الفيزيائيين، فكل حديثنا السابق يصب في أحد الخطوات الكبيرة باتجاه هذه النظرية وما ميكانيك الكم إلا أحد الوجهين لهذه النظرية والتي تمثل النسبية العامة الوجه الثاني لها.
لقد أصبحت النظرية الفيزيائية التي تفسر جميع الظواهر ما هي إلا اجتماع واندماج للنظرية النسبية والنظرية الكمومية.
لقد كانت أول خطوة لتوحيد النظريات الفيزيائية حين قام العالم ماكسويل بتوحيد الحقل الكهربائي والحقل المغنطيسي في حقل واحد هو الحقل الكهرطيسي ولم نعد نستطيع الكلام عن الكهرباء بمعزل عن المغنطيسية ولا عن المغنطيسية بمعزل عن الكهرباء فكلاهما وجهان لحقل واحد هو الحقل الكهرطيسي ولا نستطيع عزل الحقل الكهربائي عن الحقل المغنطيسي.
أما الخطوة الثانية والأكثر جرأة والتي قلصت المسافة بين الفيزياء الآن ونظرية التوحيد وقلصت عدد القوى الأربع إلى ثلاث هذه الخطوة هي توحيد النظرية الكهرطيسية بحقلها الكهرطيسي مع القوة النووية الضعيفة وياله من إنجاز.
 نحن نعلم أن حوامل القوة الكهرطيسية هي الفوتونات وحوامل القوة النووية الضعيفة هي جسيمات (W+,W-,Z) والتي تملك كتلة كبيرة نسبياً لاحظ العالمين محمد عبد السلام وستيفن واينبرغ أن هذه الجسيمات الثلاثة في الطاقات العالية تتصرف بشكل يطابق تصرف الفوتون في هذا المجال الطاقي أما في الطاقات المنخفضة فإن هذا التناظر (هذه الكلمة من الآن فصاعداً ستتكرر كثيراً وسنلاحظ ذلك) ينكسر وبشكل تلقائي وبالتالي ما هذه الجسيمات الثلاثة إلا فوتونات في الطاقات العالية وتأخذ استقلاليتها بالطاقات المنخفضة ولقد أكدت التجربة هذه النظرية وذلك في مسرع سيرن (المركز الأوربي للأبحاث النووية) وتم الحصول على الشركاء الثلاثة للفوتون في الطاقات العالية وبالكتل الكبيرة المتوقعة وهكذا تم في مختبر سيرن والذي سيرافقنا في بقية رحلتنا توحيد النظريتين الكهرطيسية والنووية الضعيفة في ما يسمى بالنظرية الكهرضعيفة.
كانت هذه الخطوة دافعاً قوياً للقفز للخطوة الثانية باتجاه توحيد القوة الفيزيائية وكانت هذه الخطوة بحق جبارة وكبيرة لدرجة أن العلماء أطلقوا على النظرية الجديدة اسم نظرية التوحيد الكبير. هذه النظرية ضمت إلى التحالف الكهرضعيفي القوة الأكثر قوة وهي النووية الشديدة ولكن بقيت الثقالة بعيدة كل البعد عن هذه التحالفات. لن نستبق الأمور ولنعود لنظريتنا الطنانة. إن هذه النظرية رغم روعة إنجازها إلا أنها عانت الكثير من التناقضات الداخلة وهذه النظرية تقول إن القوة الكهرضعيفة في الطاقات العالية تصبح قوية بما فيه الكفاية أما القوة النووية الشديدة في الطاقات العالية تصبح بالضعف بمكان أنها تقارب للقوة الكهرضعيفة وبالتالي تصبح القوى الثلاث متساوية الشدة في الطاقات المرتفعة جداً وبالتالي فكل جسيم من جسيمات المادة التي سبينها ½ كالكواركات والإلكترونات تصبح من جوهر واحد وتعطينا هذا الاتحاد.
لننتقل الآن لأهم خطوة وأخطر خطوة لننتقل للخطوة الأخيرة في سلسلة الاتحادات ولننتقل لدمج الثقالة مع نظرية التوحيد الكبرى لنحصل على النظرية النهائية.
 

لقد عانت الخطوة الأخيرة من العديد من المصاعب إضافة لعدم استطاعة العلماء توحيد النسبية والكوانتية في نظرية واحدة ظهرت نتيجة التناقض الجديد بين مبدأ الارتياب لهايزنبرغ والذي يعد قلب ميكانيك الكم والنسبية العامة العديد من التناقضات التي تخلق أغرب النتائج التي لم تخطر على بال في مجال الفيزياء ولكن رغم جميع الصعوبات وكعادة العلم في كل مسيرته لا يتوقف أبداً وبدأت النظريات التي تحاول الوصول إلى الهدف بشتى الطرق ومن جميع المنافذ وبدأت النظريات تتالى حتى أصبحنا قريبين جداً من التوحيد الحقيقي والذي وصفه بعض العلماء إنه من السهولة بحيث لا يحوي إلّا على معادلة واحدة تشتق منها جميع القوى ولنبدأ رحلتنا الجديدة إلى نظريات التوحيد.
كانت أول هذه النظريات الضخمة هي نظرية النموذج العياري أو كما يقال عنها نظرية كل شئ تقريباً. تستند هذه النظرية على ميكانيك الكم التي أشادها عمالقة العلماء أمثال بور وهايزنبرغ وشرودينجر وفاينمان وآخرون وهي اتصال للنظريات التي سبق وتحدثنا عنها وهي الإلكتروديناميك الكمومي والكروموديناميك الكمومي وجاءت النظرية العيارية والتي تفترض أن عناصر جملة ما يمكن أن تخضع لتحولات – كالدوران أو الانعكاس المرآوي – دون أن يتغير فيها شئ أساسي. وأصبحت هذه الخاصية تدعى تناظر (Symmetry) ولكن غياب الدعم التجريبي للنظرية العيارية دفع بالعلماء للتفكير بحل بديل وكانت نظرية التناظر الفائق (supersymmetry) والتي أصبحت بحق إحدى النظريات الأكثر شهرة في هذا المجال. تقضي نظرية التناظر الفائق أن تشترك الفرميونات (الجسيمات المؤلفة للمادة) والبوزونات (حوامل القوى) في تناظرات عميقة أي أن يكون لكل جسيم قرين تناظري فائق أو (Sparticle) كبير الكتلة.
وكانت أول نتائج هذا التناظر نظرية الثقالة الكمومية التي تشتق منها نظرية الثقالة الفائقة والتي تفترض أن الغرافيتونات التي تحدثنا عنها الحاملة للقوة الثقالية لها أقران فائقة التناظر يدعى الواحد منها غرافيتينو (gravitino) والتي مثلت إدخال الثقالة لميكانيك الكم ولكن خاب ظن العلماء بسبب المشكلات الرياضية الرهيبة التي عرقلت مسيرة النظرية وهذه المشكلات نتجت عن أن الغرافيتون جسيم نقطي يشبه الصفر الرياضي وهذا أدى لظهور لا نهايات في الحساب الرياضي وهذه اللانهايات تسبب وعكات صحية للعلماء لذلك لا يحبون أن يروها.
لكن لننظر فيما لو استبدلنا هذا الجسيم النقطي بوتر صغير جداً جداً ماذا يحدث؟
لقد فعل العلماء ذلك والنتيجة كانت الحصول على أكبر نظرية في العصر الحديث يمكن أن نعتبرها من الغرابة وكأنها هاربة من المستقبل.
نظرية الأوتار الفائقة (superstrings) هذه النظرية التي أعادت للعلماء نشاطهم وجعلتهم يتسابقون للكشف عن كنه هذه النظرية. لقد طرحت هذه النظرية حين تم توحيد القوة النووية الشديدة والقوة الكهرضعيفة في بداية السبعينات حيث اقترح الفيزيائيون أن القوة النووية الشديدة يمكن أن تنشأ عن تأثيرات متبادلة بين جسيمات لها شكل الأوتار فكما تصدر الأوتار اهتزازات مختلفة تعطي هذه الاهتزازات الجسيمات المختلفة التي تضمها القوة النووية الشديدة. ولكن هذه النظرية بقيت طي النسيان حتى بداية الثمانينات من هذا القرن حيث أعاد العالمان غرين وشوارز الحياة لهذه النظرية كشكل من أشكال التناظر الفائق.
إن الجسيم يحتل نقطة من المكان في كل لحظة زمنية تدعى مجموعة هذه النقاط في الزمكان بالخط العالمي. أما الوتر فأثر حركته في الزمكان سطح ذو بعدين يسمى ورقة العالم.
أي إننا هنا أمام بعدين في ورقة العالم الأول يدل على الزمان والآخر على موضع النقطة على الوتر ويمكن أن تتحد الأوتار لتشكيل جسيمات جديدة أو أن تنقسم.
وبالتالي تحولنا من الحديث عن الجسيمات إلى الحديث عن الأوتار وكما قلنا إن اهتزاز الأوتار يشكل الجسيمات أما إصدار الجسيمات وامتصاصها فيتمثل بانقسام وترين أو التحامهما. ولكن ظهرت مشكلة جديدة عكرت فرحة الفيزيائيين هي أن نظرية الأوتار الفائقة بحاجة إلى ستة وعشرين بعداً أو على الأقل عشرة أبعاد بدلاً من الأبعاد الأربعة التي نعرفها. فأين تلك الأبعاد؟
تجيب النظرية بأن الأبعاد الباقية موجودة ولكنها متقوقعة في حيز صغير جداً جداً وهي أصغر من أن تلاحظ ولكن السؤال لماذا لم يبقَ إلا أبعادنا الأربعة لم تتقوقع؟
يأتي الجواب من المبدأ البشري فلو بقي بعدان لانتفت الحياة لأن الحياة ببعدين لا يمكن أن تتم أما حياة بأكثر من أبعادنا فالقوة الثقالية تمنعها لأن ذلك سيسبب اضطراباً شديداً في حركة الأرض حول الشمس وسيجعلها تفلت من قبضتها أو الاندفاع للسقوط داخلها وفي الحالتين انعدمت الحياة وبما أننا على قيد الحياة فالأبعاد هي ثلاثة مكانية وآخر زماني ليس إلا أما الباقي فموجود حيث لا نعلم.
والآن نحن أمام ثلاثة احتمالات:
1- إما أن يكون هناك فعلاً نظرية موحدة مكتملة سنكشفها يوماً ما.
2- إما أن لا يكون هناك نظرية شاملة بل يوجد سلسلة لا تنتهي من نظريات تفسير الأحداث بدقة متفاوتة.
3- إما أنه لا يوجد نظرية للعالم ولا يمكن التنبؤ بالأحداث إلا إلى حد معين تحدث بعده الأمور مصادفة وبشكل اعتباطي.
إن العلم أثبت لنا خلال ارتحالنا عبره أن لا نتوقع منه شيئاً فهو دائماً يفاجئنا بأشياء جديدة قد تحمل معها من المفاجآت ما يجعل حديثنا السابق كله ضرباً من الخيال أو ضرباً من المزاح الثقيل أو تفكيراً بسيطاً لإنسان جاهل.
إن البحث عن الطاقة يعني البحث عن الحياة وبالتالي الخوض في أعماق المادة والارتحال إلى أعماق الكون للبحث عن الحياة ولحظة كشف الحياة هي لحظة انتصار البشرية ولحظة انتصار لجميع العلماء الذين كرسوا حياتهم للبحث عن ما يؤمّن حياتنا فلننتظر تلك اللحظة التي يمكن أن تكون في جيلنا أو بعد عدة أجيال وحينها لا أعرف ماذا سيقول عنا أحفادنا ولا أعرف هل نحن نتجه بالاتجاه الصحيح الذي سيدلنا على الطاقة وعلى الحياة؟!
رئيس الجمعية الفلكية السورية

 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017