مقالات الباحثون
الشباب.. والهوية العربية.. بقلم: ميساء نعامة

الهوية الوطنية: مجموعة من السمات والخصائص المشتركة التي تميز أمة أو مجتمعاً أو وطناً معيناً عن غيره، يعتز بها وتشكل جوهر وجوده ومصدر فخاره. و"برأيي" فإن الهوية العربية بشكل عام والسورية بشكل خاص هي مجموعة التراكمات المعرفية والفكرية والإرث الثقافي (من عادات وتقاليد واكتشافات وصناعات وطقوس).. باختصار هي السجل العام الذي يحفظ ويحمي نشاط الإنسان السوري، المادي والروحي، عبر آلاف السنين. وقد أثبتت الدراسات أن الإنسان السوري" ونقصد هنا سورية الطبيعية" أول من عرف الزراعة وفن البستنة، وأول من بنى المدن، وشيد القلاع، وأول من عرف المعدن واستخدمه في صناعة الأدوات، وأول من صنع الفخار، وأول من عرف علوم الطب والفلك والحساب والهندسة والجبر والمساحة، وأول من صنع السفن، وأوجد خطوط التجارة في البر والبحر،.. والأول المكتشف من قبل الإنسان السوري لا ينتهي.
من هنا ندرك أهمية علم الآثار وأهمية ما تخفيه الأرض السورية في رحمها من تراكمات حضارية تخبرنا عن تجمعات بشرية مرّت من هنا واستوطنت وأثرَت الإنسان بتجاربها فأحدثت على مر العصور هذا التطور النوعي الذي وصل إليه الإنسان اليوم.. "فالمختصون بدراسة علوم الآثار من علم قراءة الخطوط القديمة إلى علم اللغات، وعلم الشيفرة، وعلم الوثائق، وعلم النقود، وعلم الأختام، وعلم النقوش، وعلم الأسماء، وعلم الأقوام والعروق وغيرها تعاونوا معاً على قراءة آثارنا الغنية كماً ونوعاً".. حيث تؤكد مجمل تلك الدراسات وحدة الحضارة للشعب العربي، كما تؤكد أن الوطن العربي هو مهد الإنسان العاقل ومهد حضاراته المتنوعة عبر العصور. وعليه فإن إنساناً بلا هوية يبقى في عالم الوهم وأي حديث عن تاريخ أو تأريخ دون أثر ملموس يدلل على حدوثه أو وجوده يبقى في إطار الأسطورة أي الأحاديث الوهمية وتقابلها الأباطيل.
وتأسيساً على ما تقدم يمكننا طرح السؤال التالي: لماذا يتم استهداف المتاحف والأماكن الأثرية مع كل هجمة استعمارية؟ الدلائل كثيرة من تاريخنا الحديث يمكن الإشارة إلى سرقة المتاحف إبان الغزو الأمريكي على العراق الشقيق حيث تم تدمير التراث وسرقة المتاحف والآثار كما تم استهداف المكتبات والمخطوطات القديمة وشجعوا الغوغاء من الناس على السلب والسرقة والتدمير لكل معالم الحضارة وطمس الذاكرة. فقد نقلت الفضائيات العربية والأجنبية مشاهد مروعة لعملية السرقة والنهب للمتاحف العراقية والمكتبات والآثار في 9 نيسان عام 2003. وفي زمن ما سُمي الربيع العربي، فقد العرب ثرواتهم الآثارية التي لا يمكن أن تعوّض أو تقدّر بثمن، فليبيا مثلاً فقدت خلال هذا "الربيع" 8000 قطعة أثرية تُقدّر بملايين الدولارات كانت محفوظة في قبو من الإسمنت المسلّح في مدينة بنغازي، ووجدت القطع المسروقة طريقها إلى السوق السوداء خارج ليبيا ودول الجوار بحسب تقرير بثّته إذاعة هولندا العالمية في يناير 2012. كما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية أن "الثوّار" استولوا على مخزن للآثار في مدينة طليمثة الأثرية هو نتاج عمل 10 سنوات من التنقيب لبعثة جامعة وارسو البولندية، ومن بينها فسيفساء وفريسكو ومئات القطع الفخّارية والتماثيل النصفية الجنائزية من العصور الإغريقية والرومانية والبيزنطية. ونقلت محطة BBC عن المجلس الانتقالي الليبي أن آلاف القطع النقدية والأثرية الثمينة سُرقت من خزانة البنك التجاري في بنغازي وظهرت في مصر، وذلك على أثر الحريق الذي اندلع في المصرف وكان جزءاً من عملية سرقة مخطّطة استهدفت "كنز بنغازي". وكشف مدير وحدة مكافحة سرقة الأثريات في سلطة الآثار الصهيونية شاي بار طوبا لـ "الجزيرة نت" أن في حوزة إسرائيل كمّيات كبيرة من كنوز العراق التاريخية، زاعماً أن إسرائيل أبلغت الإنتربول بما لديها؛ لكن العراق لم يبادر لاستعادتها. ولفت إلى أن تهريب الكنوز الأثرية من البلدان العربية إلى إسرائيل قد ازداد بعد الثورات العربية نتيجة الفوضى وانتشار الحفريات غير القانونية. وأشار إلى ازدياد ظاهرة تهريب المُكتشفات الأثرية من مصر إلى إسرائيل عبر سيناء غداة اندلاع الثورة. وإلى أن لصوص آثار مصريين باعوا المكتشفات التي سرقوها إلى مهرّبين عمدوا إلى قصّ بعضها إلى نصفين لتهريبها داخل حقائب، ما أدّى إلى تضرّرها بشكل فادح. وفي سورية عمدت المجموعات الإرهابية الوهابية بتسمياتها المتعددة (من داعش إلى تنظيم القاعدة وجبهة النصرة.. وغيرها) إلى إحراق الكنائس القديمة وتدمير التماثيل في الحدائق العامة بحجة أن التماثيل والصور تتنافى والتعاليم الإسلامية وتدمير المساجد الأثرية واستخدامها لعملياتهم الإرهابية. لقد جهدت الحملات الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة بأقنعتها المتعددة إلى تدمير الآثار العربية والاعتداء على الأماكن الأثرية وحرق الكتب من أجل إلغاء الذاكرة العربية وبالتالي طمس الهوية العربية؛ عندها تكون قد حصلت على مرادها في تجريد العرب من ماضيهم المجيد ليتحول إلى مجرد أغنية تفقد وجودها المادي، وعدم قدرتها على مدِّ جسور متينة بين الماضي والحاضر وتشل قدرتها على حماية ماضيها وبناء حاضرها تطبيقاً لمبدأ العولمة الأمريكية في طمس الهويات وصهر الحضارة من أجل استخلاص حضارة وحيدة هي الحضارة الأمريكية.
وهنا تتجلى أهمية المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الشباب في حماية الإرث الحضاري العربي والسوري، ومما لاشك فيه أن دورهم عظيم الأهمية لأنه يعبر عن ارتباط الإنسان العربي بالجذور ضمن علاقته الجدلية بالزمان والمكان بالطبيعة والجغرافيا بالفكر والفن واللغة والاقتصاد والسياسة والدين والإنتاج وأدواته.
والحقيقة، إن هناك تقصيراً واضحاً من قبل الإعلام والوزارات المعنية في توعية الشباب للمسؤولية الملقاة على عاتق الجميع والشباب خصوصاً في توارث وحماية ما يدل على الأثر والجذور والعمق الحضاري للإنسان العربي، وإذا ما فرّط الشباب بهذا الإرث سقطوا في رحاب الأسطورة وأصبح العرب مجرد حكاية تنسى على مر الزمان.
والسؤال الأهم برأيي: لماذا نجد معظم آثارنا في متاحف الغرب؟ ففي عودة إلى كتب التاريخ نلاحظ بأن الصراعات والخلافات العصبية كانت على مر العصور العامل الأكبر في ضياع الإرث الحضاري وكما هو الحال اليوم؛ بينما ينشغل العرب بالقتل والذبح وتقطيع الرؤوس وأكل الأكباد، تُسرق آثارنا وثرواتنا وتنتقل بأدوات عربية إلى متاحف الكيان الإسرائيلي كما أسلفت سابقاً من أجل أن تنسب لهم فيما بعد. وللأسف الشديد فإن العرب في جميع المراحل الزمنية كانوا أداة مطواعة للاستعمار الذي ما انبرى يشجع على النزاعات العصبية ويذكيها ويوجدها في حال عدم وجودها.
أعاصير الإرهاب الدموية وصلت إلى سورية ليتحول المتشدقون بمحاربة الإرهاب إلى عين الإرهاب التي تدعم وتنشط كل أشكال إرهاب الجميع ضد الجميع، وانتزاع كل أسباب السلام والوئام ما بين الشعوب والحضارات، في تقصد شيطاني لإغراقها تحت فيضانات هائلة من الأحقاد غير المبررة. ارتكبت بحق السوريين أبشع الجرائم الإرهابية من تفجير وقتل فردي وجماعي وقطع للرؤوس واقتلاع للقلوب ومضغها ومورست عليهم كل أساليب الإرهاب الجنوني والتدمير البربري. استبيحت المقدسات وانتهكت حرمة الأديان ونهبت ودمرت المساجد والكنائس ونبشت قبور الصحابة واغتيل واختطف علماء الدين. وبما أن شرعة حقوق الإنسان كفلت لكل فرد الحق في أن يشترك اشتراكاً حراً في حياة المجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم العلمي والاستفادة من نتائجه، قُطع رأس أبو العلاء المعري وفُجر تمثال أبو تمام.
إزاء كامل المشهد، سورية بقيت عصية، وكل محاولات استئصال تاريخها وذاكرتها لم تفلح، كما لم تفلح كل حملات التضليل والمنع وكمِّ الأفواه والعزل التي مورست على السوريين من وصول الحقيقة إلى شعوب العالم التي وضعت ساسة بلدانها أمام الواقع الذي أنكروه وباتوا يتحسبون لعواقبه باعتباره التهديد الأخطر على بلدانهم، فالإرهاب لن يقف عند حدود ما رُسم له لأنه سيكمل دورته ليُسقط صانعيه وداعميه في شرك نتائجه. هي التي أضحت مستعصية على كل محاولة استئصال لذاكرتها، وإنكار لوقائعها، وتصفية لحقائقها وعواقبها. فالمجزرة لم تعد محصورة بين القاتل والمقتول، الجلاد والضحية فحسب، بل أمست ملك الأشهاد جميعاً، حتى من قبل المؤيدين لإسرائيل ومشروعها الصهيوني بحرفيته. قبل فترة وجيزة كنّا مررنا في مرحلة الشباب وبعد فترة سنمر في مرحلة الشيخوخة، وأتساءل ما فائدة تعاقب الأجيال إن لم ينقلوا الحقائق الحضارية ويحافظوا على الإرث الحضاري والبناء عليه وليس البكاء والتباكي على أطلال آثار سُرقت ودُمّرت؟ ونحن في موقف المتفرج ننبش في الماضي بحثاً عن الخرائط القديمة عن حدود لا تفصل بين الأقطار العربية.. نبحث عن أمة العرب التي فرّطت بطهرها لتسلم بقوة النفط وسلطة الجبروت جميع مفاتيح الأمة.. الأوصال تقطعت والحدود فصلت بين الشقيق وأخيه في العروبة.. وبقي محور المقاومة المخرز الذي يقاوم الحدود ويحاول استعادة المقدسات.. لكن ما يجري اليوم أفظع وأكثر شناعة في تاريخ الأمة العربية المتشظية، آل سعود يفتحون أطهر أراضي المسلمين للصهاينة ويفتحون باب التسوية الأمريكية الكبرى التي تبيح المجاورة الإسرائيلية وتنهي الصراع العربي الصهيوني، ويصبح الأمن الإسرائيلي الأولوية الأولى لآل سعود ومن لفّ لفهم. وما زلنا نبحث عن بقية باقية من تقارب عربي - عربي شعبوي، بعيداً عن حكام باعوا أنفسهم للعدو وسقطوا في مهاوي الردى.
يبقى بصيص الأمل طالما أن محور المقاومة لا يزال يسطِّر انتصارات هي بمثابة أمجاد تتحقق وتفتح الطريق أمام خرائط جديدة يرسمها محور المقاومة ويحقق الحلم العربي الكبير لأمة العرب القادمة مع أجيال تعي كيف فرّط حكام السعودية وغيرهم بالحق العربي، كما تعي أن وجود قادة عروبيين كانوا الحصن المتين الذي حمى العروبة والإسلام بصفتهما الحاملين الأساسيين لبقاء الإسلام والعروبة. ولكي لا يلفظنا التاريخ وتلعننا الأجيال القادمة علينا أن نسلم الحقائق كاملة إلى الجيل العابر للمستقبل عبر حاضر مليء بالمخاطر التي تهدد وجوده وتهدد بسلخه من هويته وحضارته وماضيه وحاضره وتضعه في مهب المستقبل المجهول.
ومع كل مَعْلم يتم محوه من قبل أحفاد هولاكو ننعي أرواحنا الساكنة في كل حجر وأثر، وتلك لعمري جرائم لا تغتفر ومسألة أخلاقية لا يستهان بها لأنها تتعلق بتدمير تاريخ بلد عمره آلاف السنين، فالضمير الإنساني- على حد تعبير الكاتب والصحفي البريطاني روبرت فيسك- يفترض أن مقتل طفل يضاهي عملية نهب وتدمير ثلاثة آلاف سنة، لكن تدمير التراث يعني حرمان ملايين الأطفال من الأجيال القادمة مما يضفي على حياتهم النور والمعنى..
 

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017