افتتاحية الباحثون
أغلى ما تملك بقلم الدكتور نبيل طعمة

جينات تورثك أسباب وجودك الإنساني، تحمِّلك مسؤولية الحفاظ عليها، وتطويرها واستثمارها بالشكل الأمثل، الذي يخدم الصورة الإنسانية الواجب تعميمها بين البشر، وبما أن الإنسان تكوين مادي شكله المدني يظهر من جلده، الذي يحتوي ويُخفي كامل أعضائه بآليات عملها؛ بما في ذلك عقله وقلبه النابض المحتويان على الكلمات، التي إن نطق بها غدت أمام الآخرين مسؤولية تخضع للثواب والعقاب، هذا الجلد الذي نسمّيه البدن يرتدي لباساً من باب السترة المادية أولاً، وثانياً هو تعزيز للمظهر المدني في صورة من صور التحضِّر، التي بدأت من ورقة التين والتوت، وانتهت بفاخر الثياب، وفي اعتقاد الكثيرين وأثناء رحلة البحث عن الملابس؛ التي يكمن بها ظهور الأناقة والشياكة، وحضور اللباقة واللياقة؛ نسأل سؤالاً: أيهما أغلى اللباس الذي يغطي جلدنا أم ما يحتويه بدننا ؟.

إنني أعتقد أن العقل بجيناته ومورثاته هو أغلى ما نملك، بكونه المسؤول عن ربط كامل الأعضاء به، ومعرفته بقيمها وأدائها، يعطيها الأوامر، ويأمرها بالراحة والحركة والفعل والانفعال، مقدراً قيمة إنجازها، لذلك كان أغلى ما نملك.

هنا نتوقف نسأل ذاتنا التي تسكن عقلنا مرة ثانية، لو أراد المكوِّن أن نكون بلباسنا المادي لفعل من جوهر كُنْ فيكون، وحينما أوجدنا عراةً، وأعطى العقل أمر اختيار الكساء، غايته عقلانية الاختيار حسب نظم نسب الاستثمار العقلي، من خلال التوافق المريح واللائق بين النوايا الوراثية، والتطلعات الكسبية الخاضعة لأهداف التربية، حيث يظهر معها الإنسان المكسوُّ بكساء الواقع، والحقيقة ضمن الرؤية الحسنة، فلماذا يحاول البعض بوعي مدرك أو لا مدرك جعل الملابس وأدواتها ومتمماتها هي أغلى شيء يفاخر به؟ وفي لحظة استثمار عقلي يلحظ أمام فكرة صغيرة قد يحتاجها ولا تسعفه أنها أرخص من أي شيء يتخيَّله، حتى أنها أرخص من شعرة تسقط من جسده أو تبيَضُّ وهي عليه، أي أنها تفقد لونها، لنتأمل هذه العلاقة بين العقل والقلب، والبدن بجلده وثيابه التي تستره!.

لماذا اهتم بالكساء إلى هذا الحدِّ؟ وألفت النظر إليه مطالباً إياه بأن يكون توافقياً ومنضبطاً، ضمن حدود الجمال البصري؛ القادم من الإمكانية المعرفية للظروف المادية، التي تبيِّن من النظرة الأولى علاقة التصالح ما بين اللباس المادي ( الثياب )، واللباس اللامادي ( جلد الإنسان البدن ) من حيث النسبة والتناسب، ومن ثم بينهما، وهما المشكِّلان للمظهر مع الجوهر، والعلاقتان محكومتان من العقل؛ الذي يظهر من المظهر نسبة الاستثمار فيه. أقول إنه شكل من أشكال الستر الفكري، الذي يعبِّر عن القيمة الأخلاقية التي تتضمَّن حالتي الإشارة المعنوية والمادية والحوار، ومعهم تتحدد قوة الشخصية من دراسة النظرة الأولى؛ التي ينبغي أن تتوافق، أو تتنافر حين حدوث التبادل الحواري، وتقييم المعاني المحمولة خلف هذا الكساء البسيط أو الفاخر .

لا يمكن أن يولد الإنسان دون عقل، وأول تشكيل للحيوان المنوي يظهر في النطفة العارية هو العقل، فمسيرته، وبحثه عن البويضة تدلنا على عقل هذا الحيوان المنوي الذي أسمّيه ( إنساناً عاقلاً )، قادماً من حيوان منوي عاقل، وكما أن البويضة عارية في حتمية القدوم العاري، تسكن علم المنطق الذي يبحث عن كسوتها لحظة ظهور تحول الجنين إلى وليد، ومن هنا تبدأ عملية النسبة والتناسب، والتي تستمر حتى لحظة المغادرة، مروراً بكامل الظروف الحياتية، فكيف اختار العقل المنوي بويضته يعود ليختار أنثاه بعد أن يختار لباسه .

أغلى ما تملك هو إيمانك بأن الحياة حق مكتسب لك، يخضعك لجملة الواجبات؛ التي تدعوك للامتثال لها، فإن لم تقم بها كنت عارياً، والعري يعني مغادرة العقل من بدنك أولاً، والذي يشكِّل لباسك الأول، وثانياً يظهر بمظهر المختلف، وهذا ما يؤدي إلى إطلاق سمة الجمال حينما لا تبحث عن الكساء المتوافق مع بدنك .

الحق إنساني، نبت ضمن التشكيل الخلقي للصورة البشرية، واكتسى بلحاء الشجرة، فكان لباسه لباس النبتة، فهذا اللحاء ما كان ليكون لولا حاجة الجذع إليه، وهو حال الإنسان الذي نبت عارياً ،- وكما ذكرت- لو أراد خلقه مكسواً لكساه. هنا نتوقف معاً، لنتوقف معاً، كل منا يختار الاتجاه، وأرجو أن نختار الصح من كل ذلك، ونتعلم ألاّ تكون ملابسنا أغلى ما نملك، حيث أننا لن نجد لأنفسنا مرآة تعكس الصورة الحقيقية لأسباب وجودنا، هي قصة المُلك والتملّك، فأيهما أغلى، أن تملك أو أن تتملّك، أو أن تُملَك؟ ابحث في أغلى ما تملِك .

د.نبيل طعمة

جميع الحقوق محفوظة ل موقع الباحثون 2017